رسالة ورؤية المنظمة: كيف تشاركها بجرأة ومرونة في آن واحد؟

نقرأ كثيراً عن أهمية صياغة رؤيا ورسالة واضحة للمنظمة، لكن ماذا عن الرسالة الجريئة؟ وماذا لو اختلفت عن ثقافة المجتمع؟ كيف يمكنك مشاركة رؤيا ورسالة المنظمة الخاصة بك بجرأة ومرونة في آن واحد؟ هذا ما سنستعرضه في مقالتنا.

منذ فترة قريبة٬ أجرى باحثون في مجال أبحاث الرأي تجربةً مبنيةً على مجموعات التركيز في مدينتَين في ولاية كولورادو؛ إحداهما مدينة بولدر؛ المعروفة بسياساتها اليسارية٬ والأخرى مدينة كولورادو سبرينغز؛ حيث تميل الآراء عادةً فيها أكثر نحو اليمينية. لا عجب أن يجد الباحثون أنه عندما تحدَّث الناس مع الآخرين الذين يشاركونهم في طريقة التفكير٬ عن قضايا ضخمة ومعقَّدة مثل التغيُّر المناخي٬ لم يُبدوا الكثير من الذكاء في تناوُل الموضوع؛ بل اكتفوا بأنهم ازدادوا ثباتاً على آرائهم.

كتب كاس سنشتاين؛ الباحث القانونيّ والموظف السابق في البيت الأبيض٬ والعالِم السلوكيّ ريد هاستي٬ عن هذا الأمر في كتاب جديد بعنوان «أكثر حكمةً: تجاوُز التفكير الجماعي لجعل الجماعات أكثر ذكاءً» (Wiser: Getting Beyond Groupthink to Make Groups Smarter)، وكان مثالُهم مفيداً؛ فإذا كان التواصُل سيُحدِث تغييراً ملحوظاً بشكل فعّال في فهم القضايا المعقَّدة، ويُلهِم العمل، ويشجِّع على التغيير الاجتماعي؛ عليه أن يدعم القيادة المنفتِحة على الآراء المتعارِضَة، والحريصَة على المشارَكة في إيجاد الحلول، والجاهزة للتطور.

على مدى الأربعين سنةً الماضية، عملت مؤسَّسة «روبرت وود جونسون فاونديشن» (Robert Wood Johnson Foundation – RWJF) على تغيير المواقِف الأميركية تجاه القضايا التي تبدو مستعصِية؛ مثل استهلاك التبغ، والرعاية في نهاية العمر، وبَدانة الأطفال، وفي العام الماضي، باشَرنا في أكبر جداول أعمالنا وأكثرها جرأةً حتى الآن؛ وهو بناء ثقافة صحية شاملة لدى الجميع٬ ويُسعِدنا أن نرى العديد من عناصر استراتيجيتنا تنعكِس في كتاب سنشتاين وهاستي عن اتخاذ القرارات الذكية؛ لأننا نعلم أن الأمر يتطلَّب قيادةً فَطِنةً ومنهجيةً٬ وشراكات من أصحاب النفوذ الواسع؛ لتغيير الطريقة التي ننظر بها إلى الصحة ونقدِّرها في الولايات المتحدة.

عندما تبنَّينا رؤيا بناء ثقافة الصحة، تساءَلنا كيف يمكننا حثُّ الآخرين على تعريف الصحة بأنها أكثر من مجرَّد «أن لا نكون مرضَى»، وإحداث تغييرات في مجتمَعنا تجعل الصحة جزءاً مهماً من أسلوب عَيشنا وتعليمنا وعمَلِنا ولَهوِنا جميعاً.

لقد كوَّنا أفكاراً لما قد تبدو عليه ثقافة كهذه؛ حيث يناقِش الأطبَّاء بانتظام تكلفة العلاجات وقيمَتها مع مرضاهم، أو يكتبون وصفات تتعلَّق بالطعام أو التدفئة أو السكن للمحتاجِين٬ كما تصوّرنا مدناً وبلدات وأحياءَ مصمَّمةً للتأكُّد من أن صحة الأطفال هي أمر محقَّق ولا يُترَك للصدف٬ وتخيّلنا مستقبلاً يمكن للأعمال التجارية فيه أن تعتمد على حيوية الموظَّفِين للبقاء في المنافَسة، وجيش يمكن أن يقدِّم أفضل أداء ممكِن لحمايتنا داخل حدود الوطن وخارجه، وإمكانية خفض تريليونات الدولارات التي ننفِقُها على الرعاية الصحية.

كنا نعرف هدفنا، ولكن أين ستكون نقطة البداية في نشره وإيصال مضمونه؟

ثم تفكّرنا في الدروس التي تعلّمناها أثناء عملنا في وضع حدّ لبدانة الأطفال؛ حيث في كافة حواراتنا حول هذا الموضوع، كان علينا أن نَدُقّ ناقوس الخطر بخصوص درجة أهمية هذه المشكِلة، وأن نوضِّح أن الجميع لديهم دور يلعبونه؛ من الآباء إلى صانِعي السياسات، ومن المتاجِر الصغيرة إلى الشركات الكبرى.

لتحقيق ذلك؛ كان علينا تحويل مشكلة بدانة الأطفال إلى محادثة ونقاش محوري؛ فكان علينا أن نبيَّن للشعب الأميركي سبب أهميتها٬ ونُصرِّح عنها بجرأة شديدة بحيث لا يمكنهم تجاهلها؛ لقد تبرّعنا بمبلغ 500 مليون دولار لإيقاف انتشار مرض البدانة لدى الأطفال، ثم دعمنا تبرُّعنا برسالة صريحة وقوية؛ مفادها أنه يمكن أن يكون الأطفال الأميركيون أول جيل في تاريخ الولايات المتحدة يعيشون في وضع صحيّ أسوأ من آبائهم وأمهاتهم، ويموتون أصغر سِنّاً منهم، وإن العثور على مسدَّس أسهل من العثور على حبة فاكهة طازجة بالنسبة للعديد من أطفال المدن الداخلية؛ فجذبت تلك الرسالة انتباه الناس إلينا؛ حيث استجاب صُنَّاع السياسة والمعلِّمون والأوساط الصناعية٬ وحتى البيت الأبيض، ولحسن الحظ؛ لقد بدأنا نرى بوادر التقدُّم؛ وخاصةً بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سنتَين وخمس سنوات.

بينما نتطلَّع إلى هدفنا الأوسع؛ المتمثِّل في بناء ثقافة صحية؛ تتمثَّل مهمتنا – بصفتنا مانِحين ومتحدِّثين – بمشارَكة رؤيتنا مع الآخرين؛ لكن ليس بالطريقة الجامِدة؛ فحين نقول أننا جميعاً معاً في هذا الأمر؛ علينا أن نعني ذلك٬ وأن ندعو الشرَكاء لمساعدتنا في بناء الطريق الذي سيوصِلُنا إلى وجهتنا؛ مؤكِّدين على وجود أكثر من طريق واحد لبلوغِها٬ كما علينا أن نستمع ونُصغي حقاً إلى كيفية تعريف الآخرين للثقافة الصحية، ثم نجسّد ما نتعلَّمه ونوسّعه، ويجب أن تكون قيادتنا مُتَكيِّفةً ومتعاونةً ومرنة؛ إذ لا يمكننا فرض رؤيتنا الخاصة على الآخرين؛ فبالنسبة لهم؛ قد تعني الأُمّة التي تتمتَّع بصحة أكبر، الأمة التي تتبنى ثقافة الرعاية أو ثقافة الرفاهية أو ثقافة الحقوق والواجبات الشخصية؛ لذا يجب أن نتحلَّى بالانضباط والشجاعة؛ للسماح بأن يكون مسار جهودنا نابِعاً من مساهَمة وابتكار الآخرين٬ وعلينا أن نواصِل العمل بشكل تعاونيّ في مختلف المجالات، داخل وخارج مؤسَّستنا؛ مع مراعاة التعقيدات الكثيرة الملازِمة لبناء تغيير منهجيّ غير مسبوق.

في النهاية؛ تُبنَى الثقافة؛ مثل ثقافة اتباع أفضل استراتيجية تواصُل، دائماً بالمشارَكة، وكما يُظهر كتاب «أكثر حكمةً»؛ لا يمكن أن يحدث التغيير الملموس في حجرة فارغة يتردَّد فيها صدى آراء أصحاب التفكير المتماثِل فقط؛ بل إن أفضل القادة يتجنَّبون «الحديث المتفائِل» عن التفكير الجماعي، ويختارون بدلاً عنه تهيئَة الظروف لتُطرَح عدّة آراء وتَرسُم مسار التغيير الإيجابي.

لذا بينما نتطلَّع قدماً؛ نعلم أن المستفيدين من المنح، والقادة في مجالَي الصحة والرعاية الصحية، وزملاءنا في العمل الخيري، يمكن أن يمثِّلوا سفراء ودّيين لفكرتنا العظيمة؛ لكن من المهم ألّا نكتفي بالإصغاء إلى مجموعتنا فقط؛ بل يجب أن نكون مستعدين أيضاً لاختبار تأثير رسالة منظمتنا على أولئك الذين لا يعرفوننا٬ ولا يعتبرون أنفسهم جزءاً من المجال الصحي عادةً؛ مثل الأعمال التجارية وقطاع التكنولوجيا والمعلِّمين وغيرهم؛ لأن المقياس الحقيقي لنجاحنا لن يتجلّى في عدد الحلفاء التقليديين الذين يتبنّون رسائلنا؛ بل في عدد المشككين في رسالة منظمتنا غير المألوفين؛ والذين سيجدون مكاناً لهم في ثقافة الصحة٬ ويدعون الآخرين للانضمام إلى هذه الحركة.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط،علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى