تغيير الأنظمة: المفاتيح الثلاث الرئيسية

تغيير الأنظمة

ما الذي علينا أن نفعله للانتقال من النظرية إلى التطبيق عند العمل على تغيير الأنظمة؟

تتمثّل الخطوة الأولى لحل أية مشكلة اجتماعية مستعصية في فهم النظام الذي تكمن فيه، فإذا لم تفعل ذلك؛ قد تجد أنك تستثمر في حل غير مجدٍ، أو يستهلك وقتاً أو موارد إضافيةً لتطبيقه، أو حتى حل قد يفاقم المشكلة.

على سبيل المثال؛ للحدّ من تفشّي فيروس الإيدز (نقص المناعة المكتسب) على مستوى العالم، يجب على قادة القطاع الصحي العالمي توسيع مجال تفكيرهم إلى أبعد من تطوير علاجات للأعراض؛ عليهم معالجة مشكلة حصول المرضى على الخدمات الصحية، وكيف تحدد الثقافة والاقتصاد والسياسة من يستفيد منها في النظام الحالي. 

إن فهم الصورة الشاملة – ما ندعوه معظمنا في القطاع الاجتماعي بالتفكير النُظمي – يتطلب أن نفهم أصحاب المصلحة في النظام، وكيف يتفاعلون، وما الذي يؤثر عليهم. إن التفكير النظمي يعني فهم شبكة العلاقات المتبادَلة التي تثير مشاكل معقَّدة، وإعادة النظر في الافتراضات حول طريقة حدوث التغيير.

هذا النهج ليس جديداً، فقد كُتِب الكثير عن التفكير المنهجي، والقيادة المنهجية، والتعاون المنهجي، ومع ذلك، فإن قادة القطاع الاجتماعي والمانحين؛ الذين يدمجون أدوات وممارَسات التفكير النظمي في عملهم اليومي بفعالية، هم متباعدون وقلّة.

اقرأ أيضاً: قادة الأنظمة: كيف يعملون لقيادة التغيير الاجتماعي؟

تغيير الأنظمة: من النظرية إلى التطبيق

تعاونت مؤسَّسة «دايفيد آند لوسيل باكارد» (David & Lucile Packard) مع مجموعة الدعم الإداري –  وهي مؤسَّسة غير ربحية تدعم بناء التوجُّهات –  للإجابة على هذا السؤال. نظراً لتاريخ مؤسَّساتنا في التأثير على الأنظمة، والالتزام بإحداث التأثير؛ بدأنا مشروعاً لفهم وتجاوز العقبات التي يواجهها المانحون وغيرهم في القطاع الاجتماعي؛ والتي  تحول دون إحداث تغيير على مستوى النظام. راجعنا أكثر من 175 موقعاً إلكترونياً ومقالةً وكتاباً ومقطع فيديو، وأجرينا أكثر من 30 مقابلةً مع خبراء الأنظمة وقادة الأعمال الخيرية؛ وفي النهاية حددنا ثلاث عوامل ضرورية لتجاوز العقبات الشائعة، وإحداث التأثير الإيجابي على الأنظمة:

  • عقلية الأنظمة

يُعَدّ التعامل مع التحديات من منظور الأنظمة، كما وضحنا في الفقرة السابقة، مقدمةً ضروريةً للعمل على مستوى الأنظمة؛ ندعو هذا عقلية الأنظمة، وبمرور الوقت؛ أصبح تعزيز عقلية الأنظمة أمراً بالغ الأهمية لثلاث أسباب:

  1. إن تنمية عقلية الأنظمة هي ممارَسة تستمر مدى الحياة؛ مثل التقدُّم في الفنون القتالية من الحزام الأبيض إلى الحزام الأسود. جميعنا نحمل معتقدات مشترَكة حول ما يعنيه التفكير المنهجي؛ سواء كنا نفكر بأنه «رؤية الأسباب الجذرية» أو «فهم الصورة الشاملة» أو غير ذلك. هذه أسس سليمة للمبتدئين؛ لكننا نطور رؤىً إضافيةً مع مرور الوقت تساعد الأفراد على التصرُّف بأساليب جديدة؛ مثل «إيجاد حلول عالمية متكررةً في كامل النظام».
  2. تتيح عقلية الأنظمة مجموعة أدوات لحل المشكلات على مستوى الأنظمة؛ لنأخذ أداة إصلاح الدراجات التي تكون على نمط السكين السويسري كمثال على ذلك؛ حيث يُحتمَل أن يستنتج أي شخص طريقة استخدامها؛ ولكن الشخص المتمرِّس في إصلاح الدراجات هو وحده القادر على العثور بسرعة على الأداة المثالية لإصلاح هذا العطل بالتحديد واستخدامها، كما يمكنهم استخدام الأداة في مواقف مختلفة في مجال آخر غير تصليح الدراجات؛ يمنحك بناء عقلية الأنظمة المرونة ذاتها لتحقيق الاستفادة القصوى من مجموعة من الأدوات وجعلها تلائم ظرفك.
  3. تكون عقلية الأنظمة فعّالةً أكثر عند مشاركتها على نطاق واسع (عبر الشبكات) وبصورة أعمق (من القاعدة الشعبية إلى قادة الأنظمة)؛ حيث يمكن أن تتعرقل مساعي تغيير الأنظمة عندما لا يفهم القادة الجدد والموظَّفون الميدانيون ماهية نهج الأنظمة، أو لماذا تُحدِث فرقاً، لذا لا بُدَّ للقادة أن يتعمّدوا تنمية عقلية الأنظمة بين جميع أصحاب المصلحة بمرور الوقت، لوضع إجراءات متواصلة ومتسقة على مستوى الأنظمة.

 

  • الأداة المناسبة للمهمة

أحياناً نعتمد على عدد محدود من الأدوات أكثر مما ينبغي؛ لكن مفتاحاً واحداً لن يفتح جميع الأقفال؛ حيث أننا بحاجة إلى الاستفادة من المزيد من الأدوات المتاحة لنا كما ذكرنا في الفقرة السابقة. استخدم أحدنا مرةً أداة لتحليل القوة؛ وهي أداة تحدد الأطراف الفاعلين في سلسلة متواصلة من الدعم، والأطراف المناقِضة، وتصنّفهم من الأقوى إلى الأضعف) وذلك لتحديد سبل لتوفير المزيد من الوظائف التي تضمن إعالة الأسر؛ لكن لم تساعدنا هذه الأداة في تحقيق هدفنا، لأن المشارِكين لاقَوا مشقّةً في رؤية الصورة الشاملة دون الرجوع إلى البيانات الدقيقة، وكان من الممكن أن يؤدي اجتماعنا إلى عمل جماعي؛ لكن مساعينا تعثّرت؛ ربما كانت الأداة الأنسب هي تحديد المفاهيم؛ والتي كانت ستوضح كيف ينظر مختلَف أصحاب المصلحة إلى المشكلة والحلول المحتمَلة لها، وتثير حواراً حول كيفية تقريب وجهات النظر.

كشف بحثنا عن أكثر من 50 صيغة عمل وإجرائية وأداة للأنظمة، تستخدمها المجتمعات والحركات الشعبية والأوساط الأكاديمية والحكومية في جميع أنحاء العالم؛ والتي يمكن أن تساعد في الإجابة عن الأسئلة التي قد تظهر أثناء عملية تغيير الأنظمة، على سبيل المثال: 

  • من هم الأطراف الفاعلة المختلفة التي يجب ضمها إلى مساعي تغيير الأنظمة، وما هي علاقاتهم وديناميكيات سلطتهم؟
  • ما الذي أدى إلى الوضع الراهن؟
  • ما هو مدى الاستعداد أو القدرة على تغيير الأنظمة؟
  • ما هي أفضل استراتيجية للتأثير على الأنظمة؟
  • ما هي الإجرائية التي يجب اتباعها لتنفيذ مبادَرة تغيير الأنظمة؟
  • كيف يمكننا أن نتعلم ما الذي يصلح من أجل تغيير الأنظمة وما لا يصلح لذلك؟

 

  • فهم الديناميكيات البشرية

يمكن أن يؤدي تهميش جزئية «الأفراد» في عملية تغيير الأنظمة إلى إغراق المساعي في التراخي، والأسوأ من ذلك؛ يمكن أن يؤدي إلى إجماع حول آراء خاطئة يطيل أمد الوضع الراهن أو الديناميكيات القمعية. عمل أحدنا على مبادَرة تحقيق الأمن المالي عبر القطاعات للمواطنين ذوي الدخل المنخفض؛ حيث وضعنا خطةً للعمل الجماعي؛ لكن المجموعة كانت تفتقر إلى درجة الثقة المشترَكة اللازمة لإيجاد حلول منهجية أعمق؛ للأسف إن هذه الديناميكية تعرقل الكثير من المساعي. يُعَدّ التركيز على الديناميكيات البشرية أمراً بالغ الأهمية عند:

  •  تعريف الحدود: إن تقرير من أو ما ينتمي إلى نظام ما، هو فعل نابع عن قوة، وهذا يمكن أن يشكّل جبهات ويولّد شعوراً بالتهميش، لذا فإن العمل معاً لتعريف حدود النظام يمكن أن يبني الثقة، ويزيد احتمالية العمل الجماعي في المستقبل، كما أنه يساعد على تنمية حس مشترَك بالهوية والقيم.
  • إشراك المستفيدين، فمن المهم تخصيص الوقت الكافي لإدراج آراء المشارِكين مباشرةً في النظام؛ يساعد ذلك في تحديد الحلول المنهجية المناسبة والمؤثِّرة وترتيبها حسب الأولوية.
  • مواجهة محادثات صعبة؛ تشمل معظم الأنظمة تفاوتات في القوة وتحيزات ضمنية، تؤدي إلى اختلال التوازن في الموارد والنفوذ والسمعة؛ من الضروري معالجة هذه القضايا الأساسية لخلق مساحة مشترَكة لمختلَف أصحاب المصلحة؛ ويمكن التوسُّط في الخلافات بين الشركاء من خلال إجراء المحادثات الفردية وورشات عمل تعليمية والمناقشات الجماعية. إن التمهُّل في بناء اتفاقيات مشترَكة يساعد الأشخاص على التحرُّك بسرعة في وقت لاحق.
  • تعزيز قدرة الأنظمة بما يتجاوز القادة؛ حيث يتطلّب تغيير الأنظمة مشارَكة العديد من الجهات التنفيذية، وليس المدراء أو المسؤولين التنفيذيين فقط، وقد لا يكون لدى هؤلاء الأطراف نفس الوقت والمجال للمشارَكة في عمليات الأنظمة، فبالإضافة إلى تنمية عقلية الأنظمة، من المهم تعزيز الوعي الذاتي للأفراد وعلاقاتهم، وخلق مساحة للحوار والاستفسار، وضمان التواصل الصادق والشفاف، وتطوير فهم وممارَسة مشتركَين للتنوع والتكافؤ والاحتواء.

يَعِد نهج الأنظمة بإيجاد حلول تناسب حجم المشاكل المعقَّدة؛ نأمل أن يشعر المزيد من ممثِّلي القطاع الاجتماعي بالقدرة على تجربة مجموعة أوسع من أدوات الأنظمة، ودمجها في عملهم اليومي.

اقرأ أيضاً: المصائب النافعة: قوة التغيير الذي تُحدثه عبارة «نعم، ثم ماذا»

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى