استراتيجية التأثير الأقوى تترك أثراً أعمق

إعداد: جوديث رودين، نيل كولمان

 

تم النشر 01 يونيو 2021

إن قوة استراتيجية التأثير استثنائية، فقد طوَّرنا في مؤسَّسة «روكفلر فونديشن» (Rockefeller Foundation) في عام 2013، أفكاراً حول كيفية جعل مدينتَي نيويورك ونيوجيرسي أكثر قدرةً على مواجَهة الكوارث؛ وذلك بعد كارثة العاصِفة المدمِّرة ساندي، واعتمدنا أسلوب التأثير – عن طريق اسم مؤسستنا، وسمعَتنا، ومعرفتنا، وشبكات علاقاتنا، وقدرتنا التنظيمية، للاستفادة الذكيّة من خمسة ملايين دولار من رصيد المنح الخاصة بنا، من أصل ملياريّ دولار تقريباً من الأموال الفيدرالية، وخلال هذه العملية؛ ساهمنا في تحفيز التحوّل في الحوار الوطني؛ من الإغاثة في حالات الكوارث والتعافي منها، إلى التخطيط لمواجَهتها؛ وهذا تحوّل سينقذ الأرواح ويوفِّر أموال دافِعي الضرائب في هذا العصر المضطرِب.

إذا طُبِّق الأثر بشكل استراتيجي؛ يمكن أن يكون إحدى أهم الأدوات لإحداث الأثر؛ وذلك يُصنَّف في المرتبة الأولى إلى جانب المبادَرات القائمة على المنح؛ التي يغلُب عليها الطابع التقليدي ويشتهر بها العمل الخيري؛ أي العمل وفق الأسلوبَين جنباً إلى جنب؛ حيث تسمح استراتيجية التأثير للمؤسَّسات بتضخيم تأثير مِنَحها، واستخدام الأصول الأخرى -مثل خبرات الموظَّفين- لتحقيق التقدُّم في الأهداف البرامجية، ففي حالة مؤسَّسة «روكفلر»؛ يبني هدفَانا المزدوجان المتلازِمان قدرةً أكبر على مواجَهة الكوارث واقتصادات أشمَل.

لقد شهِدنا نجاحاً باتباع استراتيجية التأثير هذه في جميع أنحاء العالم، فعلى سبيل المثال؛ تجمَع «شبكة المدن الآسيوية لمواجهة التغيير المناخي – إيه سي سي سي آر إن» (Asian Cities Climate Change Resilience Network – ACCCRN) الممارِسين، وتنتج مجموعة أدوات لدعم تطوير استراتيجيات المواجَهة الشاملة للمدينة في جنوب شرق آسيا، وبعد إثبات نجاح هذا المفهوم على مستوى المدينة؛ ساعدت الشبكة في إعلام السياسة الوطنية في فيتنام عنه، فأخذت الحكومة تسعى للحصول على المشورة والدعم من مؤسَّسة «روكفلر»، لتطوير أداة تقييم مدنية لمواجَهة الكوارث؛ والتي يمكن تطبيقها في أكثر من 60 مدينةً، لتحقيق الهدف الأسمى المتمثِّل في إنقاذ الأرواح؛ كون مدينة فيتنام تواجِه آثار تغير المناخ.

بناء استراتيجية التأثير

كيف يمكن للمنظَّمات أو المؤسَّسات أو غيرها، بناء استراتيجية التأثير الخاصة بها؟ نوصي باتباع خمس خطوات:

1) إدارة التأثير

ابنِ منحة التأثير وقم بإدارتها وتنميتها تماماً كما تقوم ببناء المنحة المالية؛ ابدأ بفهم تأثير اسم مؤسستك ونقاط قوتك، أو «أصول التأثير» لديك، وفي مثال على ذلك؛ أحد أصولنا في مؤسَّسة «روكفلر» هو تاريخنا، فقد أمضَينا 102 عاماً في العمل الخيري؛ بدءاً من مجال الصحة العامّة وانتهاءً «بالثورة الخضراء» (the Green Revolution)، يمكنك تكليف من يُقيِّم اسم المؤسسة تقييماً احترافياً؛ ولكن إذا لم يكن لديك التمويل الكافي لذلك، يمكنك الاعتماد على بعض الموارد الجيدة؛ مثل إطار العمل الذي طوّرتاه ناتالي ليدلر-كيلاندر وجوليا شيبارد ستينزل في كتابهما «فكرة اسم المؤسسة » (The Brand IDEA)؛ استُوحِيَ الكتاب من بحث مُموَّل من مؤسَّسة «روكفلر»؛ والذي اختصره ليدلر-كيلاندر وكريستوفر ستون في مقال لـ«مجلّة ستانفورد للابتكار الاجتماعي بعنوان «دور اسم المؤسسة في القطّاع غير الربحي» (The Role of Brand in the Nonprofit Sector)، أو يمكنك إعداد سلسلة من الحوارات بنفسك مع الزملاء والشركاء، وبمجرَّد أن تتمكن من تحديد تأثير اسم مؤسستك ونقاط قوتك بوضوح وصورة جلية؛ روِّج لهما لتبني رأس مال التأثير الذي يمكنك توظيفه لاحقاً.

2) متى وكيف تستخدم التأثير؟

تعلم وقت وكيفية استخدام التأثير كعنصر لتحقيق هدفك في خلق الأثر الاجتماعي؛ فمثلاً، حدَّدت مؤسَّسة «روكفلر» هدفاً يتمثَّل في إدراج نظام «نقل الحافلات السريع» (Bus Rapid Transit – BRT) إلى المدن في الولايات المتحدة؛ حيث يوفِّر هذا النظام الاستمرارية والسرعة والوثوقية لأنظمة السكك الحديدية، إلى جانب مرونة أنظمة الحافلات، مقابل جزء يسير من تكلفة السكك الحديدية، لذا دعَونا مراسِلين من المدن الأميركية المستهدَفة للذهاب إلى مدينة مكسيكو لمشاهدة هذا النظام ذي المعيار الذهبي أثناء عمله على أرض الواقع، ثم قامت الجهات المستفيدَة من منحنا بتطوير استراتيجية التأثير الخاصة لكل مدينة أميركية مستهدَفة، فمن أجل مدينة نيويورك مثلاً؛ موَّلنا حملة «بي آر تي فور إن واي سي» (BRT for NYC)؛ والتي تضمّ مجموعةً متنوعةً من المؤسَّسات التجارية، ومناصِري حقوق الركّاب، والنقابات العمالية، والجمعيات المعنيّة بالعدالة الاجتماعية الملتزِمة بمعالجة أوجه عدم المساواة في مجال النقل؛ من خلال مناصَرة نظام «نقل الحافلات السريع»، وبصورة منسّقة؛ استخدَمنا في مؤسَّسة «روكفلر» في مدينة نيويورك، تاريخنا وسمعتنا لإبلاغ «أصحاب النفوذ» – صُنّاع القرار في التمويل والتخطيط – ممّن يمكنهم نقل سبب الحاجة إلى هذا النظام للناخِبين، والمساعَدة في تحقيق أهداف الحملة.

3) ارسم دائرة معارفك

من هم الأشخاص المؤثِّرون الذين يمكنهم مساعدتك في تحقيق هدفك، أو وصلك بالأشخاص الذين يمكنهم ذلك؟ لا تنسَ إدراج مجلس الإدارة وموظَّفين من جميع المستويات من مؤسَّستك.  نُنشِئ في مؤسَّسة «روكفلر» خطط قيادة فكرية فردية لجميع كبار قادة البرامج؛ حتى يتمكنوا من خلال أنشطة مثل التدوين والتحدّث أمام العامة وعضوية مجالِس الإدارة، من النمو بشكل استراتيجي وبناء تأثيرهم؛ للتقدُّم بأهدافهم في إحداث الأثر.

4) اغتنم الفرص

كن مبدعاً ومرناً في اغتنام فرص المشارَكة، فمثلاً؛ استغلَّينا الذكرى المئوية لتأسيس مؤسّستنا في عام 2013، في بناء «رأس مال التأثير» الخاص بنا من خلال التواصُل مع القادة السياسيين والإعلاميين وقادة المؤسسات التجارية؛ عن طريق سلسلة من الاجتماعات والمنشورات والخوض معاً ببعض التحديات، كما سخّرنا «رأس مال التأثير» الخاص بنا في ذلك العام، على مبادَرتين رئيسيتَين وجديدتَين لاقَتا صدىً كبيراً؛ وهما «الوظائف الرقمية في أفريقيا» (Digital Jobs Africa) و«100 مدينة مقاوِمة» (100 Resilient Cities)؛ والتي ستتطلّب تحوّلات كبيرةً في السلوك لتحقيق النجاح.

5) تحلَّ بالصبر وتطلَّع إلى المستقبَل

قد استغرَقت مبادَرة التمويل «ساندي» التي ذكرناها سابقاً مسيرة عامَين، فبعد الإعصار مباشرةً؛ طُلب من مؤسَّسة «روكفلر» المساعَدة في إعداد توصيات لمجلِس حاكِم نيويورك أندرو كومو – تُشارك في رئاسته جوديث (المشاركة في كتابة هذا المقال)؛ والتي ركزت على كيفية إعادة بناء ولاية نيويورك لجعلها أكثر مقاومةً بعد الإعصار. أثَّرت توصياتنا على كل من أولويات سياسة الحاكِم، وتوصيات فريق العمل الفيدرالي المعنيّ بمواجه أضرار الإعصار ساندي، فنتج عن هذه العملية إطلاق مسابقة «إعادة البناء من حيث التصميم» (Rebuild by Design)؛ وهي مسابَقة جمعت فرقاً عالميةً متعدِّدة الاختصاصات من العلماء والمهندِسين والمصمِّمين والمهندِسين المعماريين، للعمل جنباً إلى جنب مع المجتمعات المتضرِّرة، وتوليد أفكار لتصميم أكثر قدرةً على مواجَهة الكوارث، وبالاستفادة من خبرتنا في مواجَهة الكوارث؛ وسّعت الحكومة الفيدرالية هذا النموذج من خلال إقامة «المسابَقة الوطنية لمواجهة الكوارث» (National Disaster Resilience Competition)؛ حيث تقدِّم ما يصل إلى مليار دولار إلى 67 مجتمعاً متضرِّراً من الكوارث في جميع أنحاء الولايات المتحدة.

لا يأتي التأثير من دون تكلفة؛ إذ يتطلَّب فهم مدى تأثير اسم مؤسستك وتنمية شبكاتك الكثير من وقت أفراد الطاقَم، وربما بعض الاستثمارات الاستراتيجية؛ ولكن من خلال اتباع هذه الخطوات الخمس؛ يمكن أن تكون على أتم الاستعداد للاستفادة من استراتيجية التأثير في تضخيم ومضاعفة أثر كلّ من أنشطة التواصُل الخاصة بك، وتقديمك للمنح أو إنفاقك البرامجيّ بشكل ملحوظ، فاستراتيجية التأثير هي مضاعِف القوة الذي لم تعد المؤسَّسات والمنظَّمات غير الربحية قادرةً على اعتباره أمراً اختيارياً.

 

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى