القطاع الرابع الناشئ: ما هو وما المهارات المطلوبة فيه؟

نستعرض بعض الأمثلة فقط على ما أدعوه بالتقارِب بين القطاعات؛ وهو الوضع الذي لا تتلاشى فيه الحواجِز بين القطاعات التقليدية – بين الأعمال التجارية والحكومة والمؤسَّسات غير الحكومية- فحسب؛ بل يتم فيه إعادة تحديدها أيضاً، وتوجد أسباب مختلفة لذلك؛ لكن المحصِّلة هي وجود استعداد متزايد لمعالجة المشكلات المعقَّدة بأسلوب عمليّ ومبتكر؛ أضِف هذا إلى الإجماع على أن الشركات بحاجة إلى تحديد هدفها الاجتماعي بشكل أفضل لجذب أفضل المواهب؛ فيكون لديك بيئة مهيَّئة للقطاع الرابع.

  1. زادت تنزانيا عدد العلاجات الفعّالة التي تقدّمها الدولة للنساء اللواتي تعانين من ناسور الولادة ثلاثة أضعاف؛ ذلك عبر منصَّة الهاتف المحمول لشركة واحدة فقط؛ وهي «فودافون» (Vodafone).
  2. تشغَل المنظَّمة الخيرية «أنقذوا الأطفال» (Save the Children)، مقعَداً في مجلِس البحث والتطوير في شركة الرعاية الصحية العالمية «غلاكسو سميث كلاين» (GlaxoSmithKline).
  3. استحوذت مجموعة من المؤسَّسات غير الربحية في أستراليا، على مؤسَّسة ربحية ضخمة، وحوّلَتها إلى مؤسَّسة اجتماعية.
  4. تضافرت جهود واحدة من أكبر سلاسل المطاعِم في العالم مع شركة تعدين وشركة مشروبات غازية؛ لمكافحة الملاريا.
  5.     حصل «الصندوق العالمي» على تبرعات تزيد عن 50 مليون دولار من أحد عمالقة الصناعات الاستخراجية العالمية، واستَثمَر أكثر من ضعف هذا المبلغ في جهة أخرى.

ما هو القطاع الرابع؟

أُعرِّف القطاع الرابع على أنه القطاع الذي يهدف إلى تحقيق نتائج اجتماعية محدَّدة؛ والتي تكون قابلةً للقياس، ويمكن تطويرها، والأهم من ذلك كله؛ تكون مربِحة،  وإنه من المحتمَل أن تكون نماذِج الأعمال الهجينة وآليات التمويل الحديثة؛ مثل سندات التأثير التنموي، هي الأدوات التي سيستخدمها القطاع الرابع للعمل في المستقبَل؛ ولكن نظراً لأن أهدافه غير محدَّدة بشكل مفصَّل كأي قطاع آخر؛ فإن القطاع الرابع يتطلّب نوعاً محدَّداً من الأشخاص؛ وهم الأشخاص الذين يتنقَّلون بسلاسة بين مجموعة المهارات واللغة والمقايضات الأساسية في القطاعَين الربحي وغير الربحي.

تكمن خلف كل حالة من الحالات المذكورَة أعلاه قصة شخصية؛ حيث يمكن أن تساعدنا التحديات التي يواجهها قادة هذه الجهود على فهم المهارات اللازِمة لهذا القطاع الناشِئ بشكل أفضل؛ إذ يشترك هؤلاء القادة في أمرين؛ الأول:  تتجاوز طموحاتهم البحث عن الربح، والثاني: يمكن أن يكونوا متشدِّدين في موضوع تحقيق أهدافهم والسعي لإيجاد شركاء غير اعتياديين في بعض الأحيان؛ ففي خِضمّ تدريب المزيد من العامِلين الكينيين في مجال الصحة المجتمعية، مَن كان ليظنّ أن منصَّة الهاتف المحمول التقنية قد تكون حليفاً «طبيعياً» لمؤسَّسة غير حكومية؟ لن يفكّر بذلك إلا شخص يتحلّى بعقلية القطاع الرابع.

إذاً من المنطقيّ أن يأخذ القادة اليافعون هذا المفهوم على محمَل الجد عند التخطيط لمسيرتهم المهنية؛ فما عليك سوى الاطلاع على دراسة الميثاق العالمي للأمم المتحدة حول الاستدامة؛ التي أجراها الرئيس التنفيذي لشركة «أكسنتشر» (Accenture)، وهي توضّح أن 84% من الرؤساء التنفيذيين قالوا أن الأعمال التجارية يجب أن تقود الجهود لتحديد أهداف التنمية المستدامة وتحقيقها، و78% منهم قالوا أن إقامَة الشراكات من مختلَف القطاعات ستكون الطريقة لتحقيق ذلك في السنوات الخمس المقبِلة.

لذلك لم أندهش عندما قرأت أن عدداً متزايداً جداً من طلاب ماجستير إدارة الأعمال -على سبيل المثال- يختارون الالتحاق بالتدريب الداخلي في المؤسَّسات غير الحكومية.

تحديات القطاع الرابع

ما هي أنواع التحديات التي قد يُلقيها القطاع الرابع على عاتِق القادة؟ دعونا نفكر في السيناريو التالي؛ أيّ من هذه الخيارات هو أفضل قرار استثماريّ؟

  1. فرصة تزيد الإيرادات بمقدار مليون دولار.
  2. فرصة تخفّض التكاليف بمقدار مليون دولار.
  3. فرصة تعزّز الأرباح بمقدار مليون دولار.

لا تحتاج إلى الحصول على ماجستير في إدارة الأعمال لتُجيب بأن الخيارات الثلاثة متماثلة فعلياً – وهذا بفرض أن التكاليف بقيت ثابتة أثناء نمو الإيرادات والعكس صحيح – في هذا السيناريو، لن يكون المساهِمون أو المستثمِرون على علم بشيء؛

لكن ماذا لو أضفنا خياراً من القطاع الرابع؟ ما رأيك في فرصة لا تحقّق سوى نصف تأثير صافي الأرباح؛ لكنها تؤدي إلى انخفاض بنسبة 2% في تسرّب الموظَفين، وتزيد من مشارَكتهم بنسبة 11%، وتكسب 1,285 زيارة إضافية إلى صفحة التوظيف على «لينكد إن»، وتزيد حجم المبيعات لخط الإنتاج الاستراتيجي بنسبة 37% في الأسواق الناشِئة، وتُحسِّن مستوى رضا العملاء بمقدار 80 نقطة أساسية، وتساهِم في معالَجة مشكلة اجتماعية؛ مثل الوصول إلى الأدوية؟

هذا النوع من السيناريوهات يُصعِّب من اتخاذ قرار العمل؛ لأنه يتضمّن وجود متطلّبات جديدة؛ فإن الأرباح قصيرة الأمد لم تعد المعيار الوحيد، وبوضوح أكبر؛ قد تكون تغذية مليار إنسانٍ آخر،  وتعليم 57 مليون طفل غير ملتحقِين بالمدارس حالياً، وتقديم الخدمات المالية لمن لا يملك حسابات مصرفية ولغير المشمولِين بالتأمين؛ فرصاً سوقيةً ضخمةً غير مستثمَرة؛  لكن لا يُحتمَل أن تحقّق عائدات في الربع القادم؛ لذا علينا أن نعيد صياغة المشكلة، ونعيد التفكير في الجدوى التجارية.

تواجه هذه الأنواع من القرارات الطويلة الأمد بالذات، الجيل القادم من قادة الأعمال، ويُسعدني أن أرى أن مفهوم أهداف التنمية المستدامة يصبح جزءاً من المناقَشات حول البدائل عن «الأهداف الإنمائية للألفية» (Millennium Development Goals)؛ لذا سيتعيّن على كليات إدارة الأعمال المخضرَمة، أن تبدأ في إضافة نهج التفكير هذا إلى مناهِجها الدراسية  إذا أرادت تجهيز جيل جديد من المهنيين في مجال الأعمال؛ الذين يتحلَّون بالمهارات ولديهم الأهداف التي يحتاجون إليها للنجاح في القطاع الرابع.

سأختم بمثال يوضّح نهج التفكير في القطاع الرابع الذي كنت أتحدّث عنه في المقال؛ حيث يتمثَّل مجال خبرات ميريام سيديبي؛ الحائِزة على دكتوراه في الصحة العامة، وابنة رئيس «برنامج الأمم المتحدة المشترَك لمكافحة الإيدز» (UNAIDS)،  في بيان كيف يمكن لغسل اليدين بالصابون أن يقيَ من الأمراض مثل الالتهاب الرئوي والإسهال والكوليرا، وبحلول عام 2020، يطمَح فريقها من المهنيين المتفانِين إلى الوصول إلى مليار شخص وإنقاذ آلاف الأرواح، ومن الجدير بالذكر أنها تعمل لصالح شركة السلع الاستهلاكية «يونيليفر» (Unilever).

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط،علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى