مواءمة السياسات العامة لصالح مبادرات تحقيق الأثر الجماعي

تسعى الشراكات عبر القطاعات في جميع أنحاء أميركا إلى العمل بجد لتحقيق أثر جماعي، لكن على الرغم من أن صنّاع السياسة العامة يتشاركون أحياناً كثيرة أهداف هذه الشراكات، غالباً ما تعرقل السياسات الفيدرالية والسياسات على مستوى الولايات وعلى المستوى المحلي تلك الجهود بدلاً من تهيئة الظروف اللازمة للعمل الجماعي. والأسوأ من ذلك، هو أن بعض السياسات العامة تمنع صراحة الإجراءات ذاتها التي تحتاجها الشراكات التعاونية لتحقيق النجاح، ومن الأمثلة على العوامل التي تخلق عقبات أمام تحقيق نتائج جماعية هي نماذج التمويل الصارمة، والتركيز المحدود على التقارير السنوية، والإدارات المنفصلة داخل المؤسسات التي تدير البرامج والصناديق وفيما بينها، ومجموعات البيانات التي يتعذر الوصول إليها أو غير المنظمة.

أحد الأسباب الكامنة وراء تلك المشكلة هو أن هيكل الحكومة غالباً ما يعمل ضد الحلول المطروحة جماعياً، كما يعمل صنّاع السياسات عادة ضمن لجان فرعية وإدارات وجهات منفصلة تؤدي إلى الولاء لقضية وجهة تمويل معينة، لكن ليست جميع المشكلات مهيأة لاستجابة محددة الهدف، فالعديد منها يتم التعامل معها بصورة أفضل من خلال العمل المتزامن من قبل أكثر من إدارة، وتؤدي الهياكل والإجراءات الحكومية المنغلقة في هذه الحالات إلى حدوث نتائج عكسية. علاوة على ذلك، غالباً ما يفتقر صنّاع السياسات والقائمون على الشراكات إلى المعلومات الواضحة حول أنواع الإجراءات التعاونية المسموح بها.

ماذا نعني بالسياسات العامة؟

– النص التشريعي على أي مستوى.

– المبادئ التوجيهية المتعلقة بالتوريدات مثل طلبات تقديم العروض.

– الشروط المطلوبة للبرنامج.

– القوانين التي تحكم البرامج.

– المبادرات المشتركة بين الإدارات.

– المبادرات التي يطلقها رؤساء البلديات أو حكّام الولايات.

ليس غريباً أنه عندما تمنع الثقافة السائدة في الحكومة والممارسات المتبعة للتدقيق من تحمّل المخاطرة، فإن السياسات العامة التي تعزز الأثر الجماعي تكون قليلة ومتباعدة. في المقابل، هناك بعض السياسات والهياكل والإجراءات الحكومية الحالية التي تساعد الشراكات على تحقيق ذلك الأثر.

خطوة نحو الاتجاه الصحيح

تُجيز بعض السياسات العامة صراحة الشراكات وتحفزها من أجل خلق الشروط اللازمة لتحقيق أثر جماعي، وتتناول تلك السياسات قضايا متنوعة مثل تنمية الشباب، والإنعاش الاقتصادي، والصحة، كما هو موضح في الأمثلة الثلاثة التالية:

أولاً، يزود «برنامج شراكة الأداء» (Performance Partnership Pilots)؛ الذي يُدار على أساس تعاوني من قبل العديد من الإدارات الفيدرالية، المجتمعات المختارة بالمرونة اللازمة لاستخدام الأموال الفيدرالية الموجودة لخق نهج منظم للشباب المستبعدين؛ أي الشباب ذوي الدخل المنخفض الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عاماً والذين خرجوا من المدرسة وغير موظفين. تسعى برامج مستقلة متعددة إلى تقديم مجموعة متنوعة من الخدمات التي يحتاج أولئك الشباب إليها؛ من ضمنها التعليم والتدريب الوظيفي والرعاية الصحية ورعاية الأطفال والمساعدات الغذائية والإسكان، لكنها تثبت عدم كفاءتها وعدم فعاليتها. في المقابل، سيسمح «برنامج شراكة الأداء» للمجتمعات بضمّ هذه البرامج المختلفة معاً لإيجاد حل موحد أكثر، ويجب على كل شراكة استخدام نظام مساءلة صارم لمراقبة النتائج وتصحيح المسار حسب الحاجة.

يحفز برنامج «تحدي المدن العاملة» (Working Cities Challenge)؛ الممول من «بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في بوسطن» (US Federal Reserve Bank of Boston)، القيادة التعاونية لتعزيز الإنعاش الاقتصادي في المدن الصغيرة في ولاية ماساتشوستس، وقد أسفرت الرؤية المشتركة للنجاح بين قادة من القطاع الخاص والخيري وغير الربحي والحكومي عن تطوير نموذج جديد للاستثمار، إذ بدلاً من تمويل المشاريع الفردية، يطلب برنامج «تحدي المدن العاملة» من المدن جمع فرق من قطاعات متعددة لتحسين حياة السكان ذوي الدخل المنخفض، كما أنه يوفر التمويل والمساعدة الفنية وفرص التعلم من الأقران بين الجهات المستفيدة.

يهدف برنامج «مقوّمات الطفولة» (Essentials for Childhood)؛ الذي تموله «مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها» (US Centers for Disease Control and Prevention)، إلى خلق بيئات آمنة ومستقرة وحاضنة للأطفال. يتطلب البرنامج بوضوح بنية تحتية أساسية وشراكات متعددة القطاعات وتطوير مستمر ومقاييس للنتائج المشتركة، وينبغي أن تؤكد الجهات المستفيدة على عملها مع شركاء ربما لم يعملوا معاً في الماضي، ولكن عملهم يتوافق مع الأهداف والاستراتيجيات العامة لجدول الأعمال المشترك.

تعدّ هذه البرامج حديثة، لذا فمن المبكر معرفة إذا ما كانت ستؤدي في النهاية إلى نتائج إيجابية على مستوى السكان، لكن كل مثال يفتح مساراً ملهماً أمام صنّاع السياسات الذين يبحثون عن طرق لتمكين الشراكات وتحفيزها لتحقيق أثر جماعي.

كيفية الارتقاء بالسياسة العامة

على الرغم من أن الأمثلة الثلاثة السابقة تعدّ واعدة، لكنها تبقى الاستثناء وليست القاعدة، وسيتطلب التبني الواسع للسياسات العامة؛ التي تشجع التعاون، إجراء تغييرات في الهياكل الحكومية وآليات المساءلة والممارسات المتبعة للتدقيق والمحاسبة. فيما يلي ثلاثة نُهج يمكن لصنّاع السياسات اتباعها لجعل الحكومة أكثر ملاءمة للمبادرات التي تسعى إلى تحقيق الأثر الجماعي.

إنشاء هياكل مشتركة بين الإدارات تركز على السكان والقضايا

 يتمثل الحل المباشر لمشكلة الانفصال بين الإدارات بإنشاء هياكل من شأنها أن تُقاطع تلك الإدارات مع بعضها. على سبيل المثال، أنشأت العديد من الولايات والمناطق ما يُسمى بـ«مجالس شؤون الأطفال» (Children’s Cabinets)؛ التي يعمل من خلالها رؤساء الإدارات ذات الصلة على أهداف مشتركة بشأن قضايا تتنوع بين التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة وبرامج الشباب المستبعدين. تعدّ هذه الهياكل الدائمة أكثر كفاءة من مجموعات التعاون المخصصة بين الإدارات، لأن صنّاع السياسات يمكنهم تسخير علاقاتهم القائمة وإجراءات العمل التعاونية لمواجهة المشكلات الجديدة عند ظهورها وخلق ثقافة للعمل معاً يمكنها أن تشيع في جهات أخرى من الحكومة.

تحويل المساءلة من «الخدمات المقدمة» إلى «النتائج المحققة

هناك طريقة أخرى للتعامل مع الإدارات المنفصلة في الحكومة وهي تحميل المستفيدين المسؤولية عن النتائج بدلاً من الخدمات المحددة المقدمة. تُعد مبادرات «باي فور سكسس» (Pay for Success)؛ التي تضمن التمويل للمؤسسات وتحقق نتائج محددة للسكان، مثالاً هاماً حول صنع السياسات المستندة إلى النتائج، إذ تؤدي مثل هذه المبادرات إلى إطلاق مشاريع تعاونية مبتكرة، قد يحقق الكثير منها أثراً جماعياً، ذلك من خلال السماح للمجتمعات باستبدال مجموعات الخدمات المتداخلة؛ والتي تواجه نقصاً في التمويل بأخرى متناسقة ومتّسمة بالفاعلية. 

تغيير الممارسات المتبعة للتدقيق والمحاسبة الحكومية

ربما يكون الخوف من الخضوع لتدقيق حكومي هو السبب الرئيسي الذي يجعل الجهات المستفيدة من التمويل تفترض غالباً أنه لا يُسمح لها بتوحيد تدفقات التمويل المنفصلة وإدماجها عبر حدود الإدارات. لحسن الحظ، من الممكن جعل الحكومة أكثر ملاءمة لجهود تحقيق الأثر الجماعي من خلال تغيير أنظمة التدقيق والمحاسبة، حيث أصدر «مكتب البيت الأبيض للإدارة والميزانية» (White House Office of Management and Budget)، على سبيل المثال، نظاماً جديداً يسمح للمؤسسات الخاصة التي تتلقى أموالاً من أكثر من إدارة بتوحيد تقاريرها، ويمكن لهذه المتغيرات التنظيمية أن تسمح للحكومات بتمويل الشراكات بنجاح أكبر.

في النهاية، على الرغم من تركيزنا في هذه المقالة على السياسات العامة، من المهم ملاحظة أن صنّاع السياسات يمكنهم أيضاً دعم الأثر الجماعي بصورة مباشرة، وبالإضافة إلى وضع وتنفيذ سياسات عامة تسهّل إقامة مبادرات الأثر الجماعي، يمكنهم على سبيل المثال، استخدام منابرهم للدعوة إلى إقامة تعاون فاعل، وتشكيل لجان توجيه لتلك الجهود، ومشاركة البيانات الحكومية، وتسخير خبراتهم وموثوقيتهم من خلال المشاركة في الاجتماعات أو فرق العمل.

تعدّ جميع تلك الأدوار حيوية، فإذا كرس صنّاع السياسات وقتهم وطاقتهم للمساعدة على إنجاح مبادرات الأثر الجماعي، وإذا تغيرت السياسات والهيئات والذهنيات الحكومية لمساعدة الشراكات على خلق الشروط اللازمة لتحقيق أثر جماعي، فقد نتمكن في النهاية من إحراز تقدُّم في بعض من أكثر القضايا أهمية ورسوخاً واستعصاء؛ والتي يواجهها المجتمع اليوم.

اقرأ أيضاً: العمل مع الحكومات وبناء شراكات واسعة النطاق

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى