النظام الديمقراطي: ما هي متطلبات إصلاحه؟

إصلاح النظام الديمقراطي

يتم تطبيق السُلطة في كل زاوية من زوايا حياة الإنسان؛ في العائلات والمجتمعات، والمؤسَّسات الاجتماعية والمدنية والاقتصادية، والدول والأنظمة السياسية، وإن استعادة الديمقراطية وإصلاح النظام الديمقراطي يعنيان مجابَهة السلطة.

ومع ذلك؛ غالباً ما يُحجِم الدعاة إلى الإصلاح عن مواجَهة المشاكل المتعلِّقة بالسُلطة، فإن الكشف عن ديناميات السُلطة الخفية يمكن أن يكون أمراً معقَّداً وصعباً. بدلاً عن ذلك؛ غالباً ما نجد ميلاً إلى محاولة حل المشكلات من خلال البحث عن إصلاحات سياسية وتقنيات جديدة وحلول توعوية.

المشاكل المتعلقة بالسلطة

في الواقع؛ يمكن حل بعض المشكلات باتباع الأساليب السياسية والتكنولوجية وبإثراء المعلومات، فعلى سبيل المثال؛ عندما أراد الأطباء تخفيض معدَّل الوفيات الناتِجة عن متلازِمة موت الرُضَّع المفاجِئ في أوائل التسعينيات، أطلقوا حملةً لتعليم الآباء الوضعية الصحيحة لنوم الأطفال؛ وذلك بوضعهم على ظهورهم بدلاً من بطونهم، وبمجرَّد أن علم الآباء أن الأطفال الذين ينامون على ظهورهم أقلّ عرضةً للاختناق، عدَّلوا وضعية نوم أطفالهم، فانخفضت معدَّلات الوفيات الناتِجة عن هذه المتلازِمة انخفاضاً هائلاً.

كذلك؛ عندما استخدم العلماء التكنولوجيا لصنع لقاح لشلل الأطفال، تمكنوا تقريباً من القضاء عليه. عموماً؛ نجد في هذه الأمثلة توافُقاً بين الدافع للتصرُّف وصلاحية التصرُّف؛ حيث يملك الآباء كلاً من الدافع لحماية أطفالهم، وصلاحية تحديد كيف ينامون، لذا عندما تلقَّوا المعلومات التي يحتاجونها، غيروا تصرُّفاتهم.

من ناحية أخرى؛ إن المشاكل المتعلِّقة بالسُلطة مختلفة، لعدم وجود توافُق بين الدوافع والصلاحيات، فإما يفتقر من لديهم الدافع لصنع التغيير إلى السُلطة أو صلاحية التصرُّف، أو يفتقر أصحاب السُلطة إلى وجود الدافع، لذا فإن حل مشاكل السُلطة يتطلَّب تحقيق التوافُق بين الدافِع والسُلطة.

إن إعادة صياغة التحديات التي تواجُه تطبيق النظام الديمقراطي إلى مشاكل متعلِّقة بالسُلطة، تقدم مجموعةً متميزةً من الحلول. في هذا السياق؛ إن تبنّي الأفكار الاستبدادية التي تعادي النظام الديمقراطي في جميع أنحاء العالم ليس رفضاً لمرشَّحِين أو أحزاب أو سياسات معينة فحسب؛ بل هو انعكاس لعدم التوافُق المتجذِّر بين دوافع أو مصالِح الشعب وممارَسات أصحاب السُلطة، فإذا جعلت الناس يشعرون بالعجز، قد يعتقدون أنهم لا يملكون خياراً سوى إطاحة هذا النظام.

اقرأ أيضاً: تغيير مسار المؤسس وتحديات اتباع نهج عمل جديد

تطبيق النظام الديمقراطي

إن التخلّي عن الديمقراطية ليس الحل الوحيد؛ حيث يمكن للدعاة إلى الإصلاح أن يسعَوا أيضاً إلى تعزيز قدرَة الناس على التعبير عن آرائهم في العملية الديمقراطية، وتجسيد السُلطة الممنوحَة لهم لمساءَلة القادة الاقتصاديين والسياسيين في المؤسَّسات.

يجب أن يتمحور تطبيق النظام الديمقراطي حول بناء الدافع والقُدرة والسُلطة التي يحتاجها الناس من جميع الأطياف، ليكونوا بمنزلة السُلطة الموازية لمؤسَّسات الاقتصاد والدولة؛ وهكذا يكون تحقيق الديمقراطية الموعودة.

لكن هذا لا يتحقّق إلا إذا أدرك دعاة إصلاح النظام الديمقراطي الرابط بين الطريقة التي يتعامل بها الناس مع بعضهم في حياتهم اليومية، وكيف تُشكِّل تلك التجارب اليومية استعداد الناس وقدرتهم على التصرُّف وفق النظام الديمقراطي، فيومياً يمرّ الناس بتجارب إيجابية وسلبية في المنزل والعمل وأماكن العبادة والأماكن المجتمعية، متعلِّقة بالسُلطة والدولة والشركات والعملية الديمقراطية.

من وحي هذه التجارب؛ يُكوِّن الناس معتقداتهم الخاصة حول كيفية تطوير السُلطة وتطبيقها، بالإضافة إلى كيفية بناء تعريفهم الشخصي للديمقراطية، وخلال هذه العملية؛ يطورون القدرات التحفيزية والعملية والمادية التي توجُّه قدرتهم على التصرُّف في الحياة العامة.

اقرأ أيضاً: التصدي لتغير المناخ مختلف عن مطالب أهداف البيئة والمجتمع والحوكمة

التحول السياسي إلى النظام الديمقراطي

يسعى الدعاة إلى الإصلاح غالباً إلى صنع تغيير هيكلي على مستوى التغيير المؤسَّسي أو السياسي، دون السعي إلى تغيير الطريقة التي تؤثِّر بها السُلطة على الناس في حياتهم اليومية، وبالتالي؛ لا يمكن بناء القدرات التي يحتاجها الناس لمساءَلة المؤسَّسات والسياسات.

توضح الأبحاث حول فكرة «التحوّل السياسي» أنه حتى عندما تتشكل تحالفات سياسية استثنائية لإنجاح سياسة ما، غالباً ما تنحرف هذه السياسة عن هدفها الأصلي عند التنفيذ، وتتحوّل لتعكس ديناميات السُلطة الخفية في مجال السياسة أو المجتمع.

لذا؛ يمكن للدّعاة إلى الإصلاح تجاوز قوانين تمويل الحملات للحصول على المال من السياسة وقوانين تسجيل الناخِبين التي تسهِّل من المشارَكة؛ ولكن ما لم يطرحوا الأسئلة الأساسية حول التأثير غير المتكافئ للأثرياء، ونقص دافع وقدرَة الكثيرين على التصويت، ستبقى المشكلة الأساسية دون حل.

إصلاح النظام الديمقراطي

إن حل مشاكل السُلطة في النظام الديمقراطي اليوم يقتضي وجود جزءين محوريَين:

المحور الأول: الاستثمار في المؤسسات

يجب على دعاة إصلاح النظام الديمقراطي الاستثمار في مؤسَّسات المجتمع المدني والاقتصاد والدولة؛ التي يُنمّي الناس من خلالها قدراتهم على خوض الحياة الديمقراطية؛ حيث لا يملك الناس القدرة التي يحتاجونها للانخراط في الحياة العامة منذ ولادتهم؛ بل يجب أن يتم غرسها فيهم؛ حيث يحتاج الناس إلى وجود أماكن يتوجّهون إليها لتعلّم قيمة التفاعُل مع الآخرين، وتطوير المهارات التي يحتاجونها لمناقَشة الاختلافات، وغرس المرونة العاطفية اللازِمة للمجازَفة في التعامُل مع الأفراد الذي يتطلّبه العمل الجماعي.

بعبارة أخرى؛ يحتاج الناس إلى أماكن لتعلِّم كيف يمثِّلون أنفسهم، كما يجب أن يتمتّع الناس بالاستقلالية والظروف المادية اللازمِة لممارَسة حقهم في حرية التصرُّف. إن تجربة معظم الناس مع النظام الديمقراطي تقتصر على فرصة التصويت لمرشَّحين غير ملهِمين، ولا يرَون مكان العمل إلا موقعاً لاستغلال العمالة، لذا عندما يتواصُل هؤلاء الأشخاص مع المؤسَّسات المجتمعية، يتعاملون معهم على أنهم مجرَّد قائمة من الأسماء في معظم الأحيان.

بدلاً من ذلك؛ يجب أن تكون الأماكن التي يعمل الأشخاص ويتفاعلون ويختلطون مع المجتمَع فيها، هي الأماكن التي يمكنهم فيها بناء الدوافع والمهارات التي يحتاجونها في الحياة العامة؛ يجب أن يجرِّب الناس تمثيل أنفسهم في حياتهم الخاصة قبل أن يصبحوا مصدر السُلطة الموازية في الحياة العامة.

المحور الثاني: دعم المؤسسات

يجب على دعاة الإصلاح دعم المؤسَّسات التي تُمكِّن الأشخاص من ممارَسة صلاحياتهم في التصرُّف بصفتهم قوةً موازيةً للشركات والدولة.

إن مؤسَّسات المجتمَع المدني ليست مجرّد مكان يلجأ إليه الأشخاص لتعلّم مهارات وممارَسات الديمقراطية؛ بل هي مواقع تحوّل تتحوّل فيها تصرُّفات الناس إلى السُلطة والتأثير على النتائج الاجتماعية والسياسية.

لا تحوّل هذه المؤسَّسات مشارَكة الناس إلى سُلطة عند عملها على نهج مؤسَّسات فرز الأصوات أو السجلّات المحايدة التي تحوي تصرُّفات الأشخاص فقط؛ بل عليها أن تعزّز الروابط بين الناس وتوسِّعها، وتبني جسوراً اجتماعيةً في الأماكن التي تفتقر إلى ذلك، وتولِّد استعداداً لدى الأشخاص ليلتزموا اتجاه بعضهم، وتزيد مَيلهم إلى التفكير بأسلوب مختلف حول ما قد يرغبون به أو المستقبَل الذي قد يتخيلونه.

إن تنفيذ كل ما سبق يعني أن هذه المؤسَّسات تحتاج إلى القيام بإجراءات قيادية وهيكلية وعمليات الحوكمة التي تقوم على الناخِبين لجعلها قوية.

اقرأ أيضاً: القوة التي يمكن أن يكتسبها الموظفون في أماكن العمل

هل نحن مستعدون لبذل مجهود أكبر؟

إن المصاعِب التي تواجه النظام الديمقراطي في القرن الحادي والعشرين هي نتيجة إهمال المجتمَع لمواجَهة التحدي المتمثِّل في تمكين سُلطة الناس.

ويحصل ذلك حتى في المجتمع المدني؛ حيث حلّت الشعارات الجذابة والتطبيقات الأنيقة والمناقَشات السياسية محلّ العمل الدؤوب، في سبيل بناء قدرات الناس لخوض الحياة الديمقراطية، ودعم المؤسَّسات التي تترجم تلك القدرة إلى القدرة على مساءَلة السُلطة.

إذاً؛ فإن هشاشة هذه اللحظة التاريخية ليست نتيجة ضخامة المشاكل التي نواجهها فحسب؛ بل بسبب عدم التوافُق بين حجم التحدي والأمل النابِع من الحلول المطروحة لمواجهته؛ حيث تَعِد محادثات «تيد» ووسائل التواصُل الاجتماعي على حد سواء، بحلول يمكن ذكرها في مقطع فيديو مدته 7 دقائق أو خطاب من 280 حرفاً.

كما تَعِد الحملات الاستبدادية بأن يكون المرشَّحون الرئاسيون والأحزاب هم المنقذون؛ لكن لن تنجح أي من هذه الحلول؛ بل إن أكثر المشكلات الاجتماعية تعقيداً هي التي تتطلّب حلولاً تعتمد على السلطة، وإن السؤال هو: هل سنبذل جهداً في الاستثمار في مؤسَّسات وإجرائيات وممارَسات المجتمَع المدني والاقتصاد والحوكمة لجعل الديموقراطية حقيقةً؟

 

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى