كيف تحقق المملكة العربية السعودية التنمية المستدامة عبر دعم القطاع الثالث؟

القطاع غير الربحي
shutterstock.com/ magic pictures
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تبذل الجهات الحكومية والخاصة جهوداً لتقديم الخدمات التي توفر سبل حياة أفضل للأفراد، لكن مع كثرة التحديات التي تواجهها دول العالم، اتجهت الأنظار إلى القطاع الثالث، الذي يسمى أيضاً القطاع غير الربحي، والقطاع الأهلي، ليُكمّل جهود القطاعين العام والخاص في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وكان عالم الاجتماع الأميركي الألماني الأصل أميتاي إتزيوني (Amitai Etzioni) أول من تطرق لمصطلح القطاع الثالث في مقاله: القطاع الثالث والمهمات المحلية (The Third Sector and Domestic Missions) التي نُشرت في مجلة بابليك أدمنستريشن ريفيو (Public Administration Review) عام 1973، وبيّن أن هذا القطاع يضم المؤسسات والجمعيات، والأنشطة المدنية والأهلية والخيرية والتطوعية التي تهدف للنهوض بالمجتمعات.

وتتميز هيئات ومؤسسات القطاع الثالث بقدر أقل من الرسمية التي تتسم بها مثيلاتها في القطاع الحكومي، وتبتعد عن مبدأ الربحية بهدف زيادة رأس المال كما في القطاع الخاص، لكن هذا لا يعني أنها لا تحقق أرباحاً، وإنما يُعاد استثمار تلك الأرباح لتطوير الخدمات الاجتماعية المقدمة للأفراد وضمان استدامة أهداف التنمية.

ويمثل القطاع الثالث قوة اقتصادية كبيرة للدول التي تستثمر الأعمال الخيرية بفاعلية من أجل زيادة فرص العمل وتمكين المسؤولية الاجتماعية، وتشجيع ثقافة التطوع، وتنويع روافد الاقتصاد، ويُعد التطوع ركناً أساسياً في هذا القطاع إذ يساعد في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

يكتسب القطاع غير الربحي أهمية خاصة في الدول العربية التي تعمل على مواجهة تحديات التنمية المستدامة المتعلقة بالفقر والجوع والبطالة والنمو الاقتصادي والرعاية الصحية، وهناك بعض الدول في المنطقة مثل السعودية التي تربط استراتيجيتها المستقبلية بتنمية القطاع الثالث وتعزيز دوره في دعم المواطن والفئات المهمشة، وتفعيل شراكات أكثر واقعية بين الجهات الحكومية والخاصة والخيرية. 

واقع القطاع الثالث في السعودية

تضم السعودية 6,902 مؤسسة غير ربحية تركز أغلبها في مجالات الخدمات الاجتماعية، ووفق تقرير آفاق القطاع غير الربحي 2021: قطاع ينمو بثقة، ارتفعت مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي الإجمالي السعودي إلى ما يزيد عن 8 مليارات ريال سنوياً، وبلغ عدد العاملين في القطاع 72,151 شخص، بنسبة توطين 78%، متجاوزاً هدف برنامج التحول الوطني لعام 2020 في تسجيل القطاع 50 ألف وظيفة، ووصل متوسط الرواتب إلى 5.796 ريال شهرياً للموظف، وشكّل المتطوعون 26% من مجموع العاملين في المؤسسات غير الربحية بواقع 18,871 متطوع ومتطوعة أغلبهم من السعوديين، وعبّر 72% من السعوديين عن ثقتهم بالجهات غير الربحية، فيما فضّل 50% منهم أن يقتصر نشاط تلك الجهات على عمل الخير والرعاية الإنسانية.

وعلى الرغم من التقدم الذي يشهده القطاع الثالث في المملكة، إلا أن دراسة بعنوان: دور القطاع غير الربحي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المملكة العربية السعودية، رصدت أضعف جوانب إدارة القطاع غير الربحي، وتمثلت في تدني الكفاءة الإدارية بأجهزة القطاع وضعف قنوات الاتصال الفعّال بين العاملين، وانخفاض مساهمات جهات المسؤولية الاجتماعية والمصادر الحكومية، حيث جاءت كأقل مصادر التمويل أهمية لمؤسسات القطاع، وذلك على عكس التبرعات والهِبات التي برزت في الصدارة كأكبر مصادر التمويل للمؤسسات غير الربحية، تليها الأوقاف ثم استثمارات المؤسسة.

تحركات المملكة لدعم القطاع الثالث

تعمل السعودية على تقديم التسهيلات للنشاط غير الربحي وتوفير البيئة المناسبة لضمان نموه وتفعيل دوره في المجتمع، لذا قررت بالتعاون مع الهيئة العامة للزكاة والدخل استثناء الجمعيات الخيرية المسجلة تحت إشراف وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية من ضريبة القيمة المضافة (VAT).

وتُدرك المملكة أن الوقف الخيري إحدى أدوات تمويل الجهات الخيرية، لذا تعمل من خلال الهيئة العامة للأوقاف على تعظيم الأثر التنموي للقطاع غير الربحي واستدامته، عبر دعم المشروعات والبرامج ذات الأثر الاجتماعي، وتسهيل تأسيس المؤسسات غير الربحية بما يسهم في النمو السريع للقطاع غير الربحي، وكذلك تهيئة البيئة التكنولوجية المساندة، وتعزيز التعاون بين مؤسسات القطاع غير الربحي والجهات الحكومية، وغرس ثقافة التطوع لدى أفراد المجتمع واستقطاب الكفاءات وتدريبها.

ولتفعيل المشاركة المجتمعية في دعم الأوقاف والقطاع غير الربحي، أطلقت الهيئة منصة وقفي لتمكين المانحين من المساهمة الكلية أو الجزئية في دعم المشروعات وتمويلها رقمياً من خلال توفير خيارات دفع آمنة.

تحرص السعودية على الاستفادة من التطور التكنولوجي لتنمية القطاع غير الربحي؛ فأطلقت المنصة الوطنية للعمل الخيري، إحسان، التي تعمل على استثمار البيانات والذكاء الاصطناعي لدعم المشاريع والخدمات التنموية واستدامتها عبر تقديم الحلول التكنولوجية المتقدمة، وبناء منظومة فاعلة من خلال الشراكات بين القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية، في عام 2021، تلقت المنصة تبرعاً من ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، بمبلغ 10 ملايين ريال، ما رفع إجمالي التبرعات إلى مليار ريال يستفيد منها أكثر من مليوني شخص في المملكة.

تحتاج مؤسسات القطاع غير الربحي إلى التخطيط والتنظيم الاستراتيجي لتؤدي دوراً فاعلاً في المجتمع، لذا أسست المملكة المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي للعمل على تحديد استراتيجية القطاع، ودعم التشريعات والسياسات ذات العلاقة، وتسجيل المؤسسات غير الربحية وإصدار التراخيص اللازمة، إضافة إلى التنسيق والتكامل مع وحدات الإشراف الفني في الجهات الحكومية، وذلك في إطار مبادرات برنامج التحول الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، والذي يعد هدفاً استراتيجياً ضمن رؤية 2030 التي تعمل على تمكين القطاع الثالث، وتعظيم أثره على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي

القطاع الثالث ورؤية 2030

يُعد القطاع غير الربحي أحد روافد التنمية ضمن رؤية 2030 الهادفة إلى رفع نسبة مساهمته في الناتج الإجمالي المحلي من 0.03% إلى 5% بحلول عام 2030، وزيادة عدد المتطوعين إلى مليون متطوع، وتنمية المجالات التي تخدم المجتمع، وترسيخ ثقافة المسؤولية الاجتماعية، وتعزيز قيم العمل الإنساني والتكامل مع الجهات الحكومية، وتطبيق التكافل الاجتماعي عبر تقديم المساعدات المختلفة للفئات المحتاجة من أيتام وأرامل وفقراء.

إذاً، القطاع غير الربحي هو المكون الثالث من مكونات التنمية ويتكامل دوره مع القطاعين العام والخاص لإحداث الأثر الإيجابي في المجتمع، لذا الآمال معقودة على رؤية 2030 ليساهم العمل الخيري في معالجة ملفات الأمن المائي والغذائي، والصحة والتعليم، والمساواة بين الجنسين وغيرها للوصول إلى النتائج المرجوة وخلق نموذج تنموي يحتذى به.

Content is protected !!