العمل الخيري وإعادة تعريف الكفاءة

الاستعداد لفترة الركود القادمة
unsplash.com/Federico Beccari
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

سيكونُ هناكَ ركودٌ آخر فمن الواجب على المؤسسات والشركات الاستعداد لفترة الركود القادمة؛ حيث تشيرُ بعضُ المؤشراتِ الاقتصاديةِ بالفعلِ إلى هذا الاتجاه؛ مثل منحنى عائدِ سنداتِ الخزنةِ الأميركية. قَد يكونُ هذا الركودُ خفيفاً أو شديداً، وقد يكون عاجلاً أم آجلاً؛ لكن بينما لا يُمكُنِنا التنبُّؤُ بتوقيته أو خطورته، فإنه يُمكنُنا التأكُّدُ من قدومه، ولذلك يجبُ أن نكونَ مُستعدِّين.

بصفتي رئيساً لشبكةٍ من المُحسِنينَ اليَهود؛ أعرِفُ مدى الضررِ الذي عانى منهُ المجتمع خلالَ الركودِ الاقتصاديِّ الأخير، فوفقاً لأحد التقديرات؛ عانَتِ المُنظَّماتُ غير الربحيةِ اليهوديةِ من خسارةٍ تُقدَّرُ بمليارِ دولارٍ بين عاميّ 2007 و 2012.

بالنسبةِ لنا؛ كانَ الأمرُ ضربةً مُزدوجةً؛ حيث ضَرَبَ الركودُ بشكلٍ قويٍّ عندما كانتِ العديدُ من المِنَحِ الخيريةِ والمنظماتِ غير الربحيةِ اليهوديةِ تتَرنَّحُ من تداعياتِ عمليةِ احتيالِ "مادوف" (Madoff)؛ ولكن في كُلِّ قطاعٍ من قِطاعاتِ الاقتصادِ غير الربحي، تَسبَّبَت حالاتُ الرُّكودِ في حُدوثِ دوَّاماتٍ من العَواقِبِ السلبيةِ؛ حيث يُعاني المتبرِّعونَ الأفراد، وتَجمَعُ المُنظمات غيرُ الربحية أموالاً أقلّ، وتَنخَفِضُ أوقافُ المؤسَّسات، وكلُّ ذلكَ في نفسِ الوقتِ الذي يَحتَاجُ فيهِ المزيدُ من الأشخاصِ إلى الخَدَماتِ والدَّعمِ.

هل تَعلَّمنا دروساً من الركودِ الأخير؟ هل نحنُ على استعداد لفترة الركود القادمة؟

لقد تَعلَّمنا بعضَ الدروسِ جيداً؛ من غيرِ المُرجّح اليوم أن تحصُلَ عمليةُ احتيالٍ على غِرارِ "مادوف"، لأنَّ الناسَ يَتذكَّرونَ الصدمةَ، ولأنَّ المنظمات قد سَنَّت سياساتٍ لمنعِ حدوثِ الأمرِ نفسِه؛ ولكن من نواحٍ أخرى، فإن المجال الخيري اليهودي الأميركي غير مُهيَّأ بشكلٍ كافٍ.

نحن بحاجةٍ إلى إدارةِ الأوقافِ بشكلٍ أكثرَ تَحفُّظاً، ففي الأسواقِ الصاعدة، من المُغري الاعتمادُ بشدةٍ على الاستثمارات المُتقلِّبةِ في طريقِها إلى الازدهار من أجلِ مضاعفةِ العائدات؛ ولكن عندما تنخفضُ التقلبات بشكل حادٍّ، فإننا نُدرِكُ قيمةَ الأصول الأكثرَ استقراراً؛ والتي تتداولُ المكافآت المتقلبة للحماية من الخسائر المتقلبة، وبالمقابل؛ نحنُ بحاجةٍ إلى مزيدٍ من التنوع في وجهاتِ النظرِ في فِرَقِنا التنفيذية ومجالسِ الإدارة حتى لا تتخلى المؤسساتُ عن التفكير الجماعي. لم يكُن من الشائع في سوقِ عام 2007 المُزدَهر أن تقتَرِحَ الاستثمارَ المُتحفّظَ أو الخروجَ من الفقاعة قبل أن تنفجر، الثقافة التي تُرحّبُ بالمعارضة ستكون أكثر استعداداً في حالِ حدوثِ أزمة.

ولكن هذه هي النقطةُ الأكثرُ أهميةً: إذا أرَدنا أن نكونَ مُستعدِّينَ للركودِ التالي، فنحنُ بحاجةٍ إلى تعريفٍ جديدٍ للكفاءة.

أثناءَ وبعدَ الركودِ العظيم، أصبحَت المنظماتُ أكثرَ "كفاءةً"؛ حيث تقوم بفعلِ المزيد بأموالٍ وموظَّفين أقلّ؛ ولكن إذا كان هذا النوع من الكفاءةِ يُوفِّرُ المال، فإن له ثمنهُ الخاص.

وفقاً لاستطلاع خبرة الموظف لعام 2018 الذي أجرته شركة "ليدينغ إيدج" (Leading Edge)؛ يشعرُ 37% فقط من المحترفين الشعبيين اليهود أن "هناكَ عدداً كافياً من الأشخاص للقيام بالعمل الذي نحتاج إلى القيام به". يقول الكثيرون إن الإرهاقَ الوظيفيَّ أحد العوامل التي تدفعهم إلى مغادرةِ الميدان؛ هذا يُعرِّضُ المنظمات اليهودية لخطرِ تكاليفِ إنهاء خدمةٍ كبيرة، وفُقدانِ الذاكرة المؤسسية والمهارات العليا، والتكاليف الإنتاجية الناتجة عن انخفاض الروح المعنوية.

هناك خطرٌ آخرٌ لتأليهِ الكَفاءةِ؛ وهو أنه لا يترك أيّ زوائد لقطعها من الميزانيات في الأزمات. خذ على سبيل المثال مدرسةً نهاريةً يهوديةً يسعى مموِّلوها وقادتها إلى تحقيق الكفاءة، لتقليلِ الرسومِ الدراسيةِ إلى الحدِّ الأدنى، وزيادةِ المنح الدراسية إلى الحد الأقصى، وخدمةِ المزيدِ من الطلاب؛ ولكن في ظل ذروة الكفاءة القياسية؛ ستؤدِّي الأزمةُ دائماً إلى زيادة الطلب على دعمِ التعليمِ بالتزامنِ مع معاناةِ الأُسَر، ولن يكون لميزانيةِ المدرسةِ عاليةِ الكفاءةِ مجالٌ للمناورةِ في سبيلِ استيعابِ هذا الطلبِ المُتزايد. في هذه الحالةِ؛ ستُصبحُ الكفاءة القصوى "مضخِّمَ صدمة".

هذا النوعُ من "الكفاءة" لا يُساعد إلا على المدى القصير؛ إن أفضل ما يخدم الكفاءة على المدى الطويل هو المؤسسات المرنة، وبينما يُمكنُ للمنظمات تحمُّلُ الكثير من المخاطر من خلال السعي لتحقيق الكفاءة على المدى القصير، فإنَّ أوجُهَ القُصُورِ على مستوى المجتمع يمكن أن تستهلكَ المواردَ التي يُمكنُ استخدامُها بشكلٍ أفضل مما يجعلُ النظامَ أكثرَ مرونةً.

على سبيلِ المثال؛ كان لدى المُجتمع اليهودي "تحديد نسلٍ"لتنظيميٍّ سيئ و "رعايةُ مسنين" سيئة. نحنُ ننتِجُ عدداً كبيراً جداً من المنظمات الجديدة - عندما تُصبحُ قضيةٌ ما رائجةً - ولكننا لا نُغلقُها أبداً؛ حتى عندما يقومون بتكرارِ العمل.

في اقتصادِ الشركاتِ الناشئة، قد يتمُّ إطلاقُ العديدِ من المُؤسَّساتِ المُبتكرة في نفس الوقت؛ ما يؤدي إلى تكرارِ جهودِ بعضها البعض؛ لكن 90% من الشركات ستفشل وتغلق. من خلال عدم إغلاق المنظمات الزائدةِ عن الحاجة؛ تجعل الجالية اليهودية نفسَها أكثرَ عُرضَةً للأزمة، في حين أن الممولين يجبرون المؤسسات الفردية على أن تصبح فائقة الكفاءة - وبالتالي أقلَّ مرونةً - فإننا نتسامح مع عدم الكفاءة الهائل على مستوى المجتمع والمُتجسِّدِ في منظماتٍ زائدةٍ عن الحاجة. عندما يأتي الركود التالي؛ من المرجح أن تكونَ الاستجابةُ لتشديدِ الخناقِ أكثر - ضمنَ المنظمات - بدلاً من جعل النظام أكثرَ كفاءةً ككلّ.

كيف تبدو الكفاءة طويلة المدى؟

التخطيط للطوارئ. أجر "المناورات الحربية" للتخطيط لسيناريوهاتٍ مُختلفةٍ؛ سواءً داخلَ المنظمات الفردية أو في المجتمع على نطاقٍ أوسع؛ أي منظماتٍ "واسعة الأفُق" لمعرفةِ كيف ستنجحُ في حالةِ الركود. ما هي البرامج التي ستكون في خطرٍ؟ ما هي الفئاتُ الضعيفةُ من السكان التي ستحتاجُ إلى مزيدٍ من الدعم؟

النفقات العامة العقلانية والقوية. ستحتاج المنظمات إلى أدواتٍ وموظَّفين للاستعداد بشكلٍ استباقيٍّ للأوقاتِ الصعبة، وتتطلَّبُ الاستجابةُ للأزمات التدريبَ والتخطيطَ والتوظيف. خطة الطوارئ ليست مجرد قطعة من الورق؛ إنها ساعاتٌ من الوقت يقضيها الموظفون الذين لم تستنفدهم الأعمال العاجلة الأخرى.

تجهيز المنح للأيام السوداء. على الرغم من أهميتها؛ قد تكونُ المنظمات قلقةً بشأن تخصيص مواردها الضئيلة لمنحِ الأيام السوداء - تماماً كما قد لا يرى المتبرعون الحاجةَ إلى صندوقِ الطوارئ. قد تكون إحدى طرقِ إنشاءِ وسائدَ للميزانية لامتصاصِ ضربةِ الأزمةِ هي جعلُ الأموالِ مشتركةً؛ مما يُقلِّلُ من المخاطرِ التي تتعرضُ لها المُؤسسات الفردية.

يجب أن يأخذ المموّلون زمام المبادرة

يجب أن تبدأ الكفاءة على مستوى المجتمع بالممولين؛ يمكنُ للممولين وحدهم المساهمةُ في القُدُراتِ الحاسمةِ التي تحتاجُها المنظمات؛ يمكنُ للممولين وحدهم تشجيعُ عمليات الدمجِ وتمويلِها؛ يمكنُ للمموِّلين وحدهم أن يُشكِّلوا صناديقَ مُجتمعية؛ ويمكنُ للممولين وحدهم التفكيرُ مرَّتَين قبلَ تمويلِ المُنظَّماتِ الجديدةِ المُكرَّرَةِ.

هناكَ نقاطٌ مضيئةٌ للمُشاركة؛ جمعت كلٌّ من "بريزما" (Prizmah) و"سيفنتي فيسز ميديا 70" (70 Faces Media) و"آب ستارت (Upstart) منظماتٍ مُتعدِّدةً لتبسيطِ المجال، وعملياتِ الاندماجِ الممتازة التي يطلُبُها ويدعمُها المُموّلون.

يُعتَبَرُ مقالٌ نُشِرَ مُؤخّراً عن النفقات العامة بقلم ليزا آيزن من مؤسسة "شوسترمان" (Schusterman) وباري فاينستون من مؤسسة "جيم جوزيف" (Jim Joseph) علامةً بارزةً على أنَّ المزيدَ والمزيدَ منَ المُموِّلينَ اليهود بدؤوا في مُلاحظةِ الحاجةِ إلى دعمٍ قويٍّ للنفقاتِ العامةِ التنظيمية، وقد خصَّصَ مُموِّلو التعليمِ اليهود؛ مثل مؤسسة "أيفي تشاي (AVI CHAI" ومؤسسة "يو جيه أيه الفيدرالية" (UJA-Federation) في نيويورك وآخرون، المزيدَ من المواردِ مُؤخَّراً للهِباتِ المدرسيةِ اليومية.

ولكن لا يزالُ هناكَ الكثيرُ الذي يَتَعيَّنُ القيامُ به؛ يحتاجُ المموّلونَ أنفسُهُم إلى نفسِ التخطيطِ للطوارئِ والتمارينِ التي يحتاجُها المُحترفون غيرُ الربحيون. نحن بحاجةٍ إلى استراتيجيةٍ لأوقاتِ الأزمات، وعلينا العملُ مع المُستفيدين من المِنَحِ للتأكُّدِ من وجود توافقٍ بين خُطَطِ الطوارئِ الخاصَّةِ بنا وخُطَطِهم.

سيأتي الركودُ بلا شك ويجب علينا الاستعداد لفترة الركود القادمة؛ وما نقومُ بهِ سيُشكِّلُ الكثيرَ من كيفيَّةِ تأثيرهِ على مُجتمعاتنا، كما قالَ تشرشل: "من المَغفورِ أن تُهزَم؛ لكن ما لا يُغتَفَرُ أن تكونَ متفاجِئاً".

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.