كيف يمكن لمجلس الإدارة التوفيق بين الأهداف التجارية والاجتماعية؟

5 دقيقة
الحوكمة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

على الرغم من أن أزمة الحوكمة التي مرّت بها شركة أوبن أيه آي (OpenAI) قد تدفع القادة إلى التفكير ملياً في نماذج مؤسسية بديلة، تُظهر الأبحاث أن نماذج الحوكمة الهجينة يمكن لها أن تنجح في ظل قيادة مجالس إدارة فعالة.

في 8 آذار/مارس 2024،عاد سام ألتمان منتصراً إلى مجلس إدارة شركة أوبن أيه آي الناشئة المتخصصة في مجال التكنولوجيا التي أحدثت برمجيتها تشات جي بي تي (ChatGPT) ثورة في الذكاء الاصطناعي التوليدي. حدث ذلك بعد بضعة أشهر فقط من قرار مجلس الإدارة إقالة ألتمان من منصبه رئيساً تنفيذياً في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، الذي أدى إلى تمرد الموظفين وأزمة حوكمة تسببتا في استقالة مجلس الإدارة كله تقريباً. عاد ألتمان إلى منصبه رئيساً تنفيذياً بعد فترة وجيزة، لكن شركة أوبن أيه آي ظلت تحت أنظار الرأي العام وسط تحقيقات ودعاوى قضائية.

أثارت أشهرٌ من التقلبات والمنعطفات في قيادة شركة أوبن أيه آي الفضول حول هيكل حوكمة شركة التكنولوجيا الناشئة هذه. أُسست شركة أوبن أيه آي بوصفها مؤسسة غير ربحية، ثم أطلقت شركة ربحية تابعة لها في عام 2019. يتولى مجلس الإدارة غير الربحي، الذي يدير المؤسسة كلها، مسؤولية الحفاظ على رسالة أوبن أيه آي المتمثلة في “ضمان أن يفيد الذكاء الاصطناعي البشرية جمعاء” في حين تسعى المؤسسة في الوقت نفسه إلى اغتنام الفرص التجارية لتطوير منتجات الذكاء الاصطناعي التوليدي المتطورة.

شركة أوبن أيه آي ليست الشركة الوحيدة التي جربت نماذج مؤسسية بديلة، فعلى مدى عقود طويلة ابتعدت عدة شركات في قطاعات متنوعة عن النموذج الربحي المهيمن على الشركات الذي يهدف إلى تحقيق أقصى قدر من الربح ودمجته مع نماذج مؤسسية من القطاع الاجتماعي لإنشاء مؤسسات “هجينة”. وقد فعل بعضها ذلك، مثل شركة أوبن أيه آي، من خلال ملكية غير ربحية لشركات تابعة هادفة للربح. وبالمثل، أعلنت شركة باتاغونيا (Patagonia, Inc) في عام 2022 أنها ستحول الأسهم جميعها التي يحق لها التصويت إلى صندوق ائتماني والأسهم جميعها التي لا يحق لها التصويت إلى مؤسسة غير ربحية. اختارت شركة باتاغونيا أن تصبح شركة تهدف إلى تحقيق المنفعة العامة قبل إجراء هذا التغيير، كما اختارت العديد من الشركات الأخرى ذلك مثل شركة ألبيردز (Allbirds) وواربي باركر (Warby Parker) وأنثروبيك (Anthropic) المنافسة لشركة أوبن أيه آي. وبذلك تكون هذه الشركات قد التزمت بمعايير أعلى لتحقيق الهدف وتحمّل المسؤولية والشفافية. لا تهدف هذه النماذج المؤسسية الهجينة المختلفة إلى تمكين الشركات من تحقيق الأهداف التجارية فحسب، بل تهدف إلى تحقيق الأهداف الاجتماعية والبيئية أيضاً.

نجح العديد من المؤسسات حول العالم في اعتماد نموذج مؤسسي هجين وما يزال العديد منها ينجح في ذلك. لكن بعض النقاد يشككون بقدرة المؤسسات مثل أوبن أيه آي على تحقيق أهداف اجتماعية وبيئية إلى جانب الأهداف التجارية.

أمضينا السنوات العشرين الماضية في دراسة المؤسسات الهجينة؛ أي المؤسسات التي تسعى إلى تحقيق أهداف اجتماعية وتجارية في آن واحد. لذا، دعونا نضع الأمور في نصابها: لقد أثبت النموذج المؤسسي الهجين أنه نموذج قوي للمؤسسات التي تسعى إلى العمل لصالح الإنسانية وتتجاوز نموذج الشركات الضيّق المتمثل في زيادة الأرباح إلى أقصى حد. وفي ضوء أزمة الحوكمة في شركة أوبن أيه آي، يجب أن ننظر إلى المؤسسات التي نجحت في التعامل مع التحدي المتمثل في تحقيق التوازن بين الرسالة والربح باعتبارها نماذج يحتذى بها في الحوكمة الفعالة لمجالس الإدارة المختلطة وألا نرفض النموذج المؤسسي الهجين.

كيف يمكن لمجالس الإدارة أن تدير المصالح الاجتماعية والتجارية؟

كشفت أبحاثنا الأخيرة أن لمجلس الإدارة دوراً حاسماً في تمكين المؤسسات الهجينة من الاستمرار في السعي لتحقيق أهدافها المتعددة. حددنا سمتين رئيسيتين للمجالس الهجينة الفعالة، وهما: 1) يمثل أعضاؤها إجمالاً كلا الجانبين الاجتماعي والتجاري للمؤسسة و2) يعمل عضو واحد على الأقل على تعزيز الروابط بين الأعضاء ورسالة المؤسسة الهجينة وفريق قيادة المؤسسة.

يجب على مجلس الإدارة، بصفته الهيئة العليا في المؤسسات الهجينة، أن يحرص على أن تعزز القرارات الاستراتيجية الأهداف الاجتماعية والتجارية على حد سواء. وبعبارة أخرى، يعمل مجلس الإدارة بمثابة “حاجز الحماية” للمسار الاستراتيجي للمؤسسة. لكن مجلس الإدارة نفسه يمكن أن ينحرف عن الرسالة في حال أعطى أعضاؤه الأولوية لنوع واحد من الأهداف، فقد يخصصون وقتاً وموارد لزيادة الإيرادات على حساب تحقيق الرسالة الاجتماعية بما أن الاستقرار المالي ضروري لاستمرار المؤسسة. لتجنب ذلك يجب أن يضم مجلس الإدارة أعضاء لديهم خبرة في تحقيق الأهداف الاجتماعية (عملوا في سياقات غير ربحية أو في سياقات الخدمة العامة) وأعضاء لديهم خبرة في تحقيق الأهداف التجارية (عملوا في سياق الشركات أو لديهم تدريب في مجال الأعمال). يساعد أعضاء مجلس الإدارة الذين يتمتعون بخبرات متنوعة على لفت انتباه مجلس الإدارة إلى الأهداف المتعددة للمؤسسة عندما يصنع المجلس قراراته الاستراتيجية.

لكن التحدي الذي يواجه مجلس الإدارة الهجين هو تنوع ثقافات أعضائه وتنوع أولوياتهم وأحياناً تنافسها، إذ يمكن أن تؤدي التباينات إلى نزاعات كما حدث في أزمة إدارة شركة أوبن أيه آي. كشفت دراستنا للمؤسسات الهجينة في مختلف القطاعات أن مجالس الإدارة تنقسم غالباً إلى أجنحة اجتماعية وتجارية متضاربة عندما يشعر أعضاء مجلس الإدارة بأن بعضهم على خلاف مع بعض ولا يحملون القيم نفسها. لا يعرقل هذا الانقسام فعالية مجلس الإدارة فحسب، بل قدرة المؤسسة على تحقيق أهدافها.

لحسن الحظ، تشير أبحاثنا إلى أن عمليات الحوكمة الفعالة يمكن أن تمنع انقسام مجالس الإدارة المتنوعة إلى أجنحة متعارضة. وبالتحديد، وجدنا أن قادة مجالس الإدارة يضطلعون بدور رئيسي في معالجة هذه التوترات.

أولاً، يجب على قادة مجلس الإدارة تعزيز الشعور بالمسؤولية الجماعية عن تحقيق الأهداف الاجتماعية والتجارية، وبوسعهم أن يجعلوا أهمية الرسالة حقيقة ملموسة لأعضاء مجلس الإدارة من خلال مراجعة الأداء الاجتماعي والتجاري في كل اجتماع لمجلس الإدارة واصطحاب الأعضاء في زيارات ميدانية لرؤية تأثير المؤسسة مباشرة.

لنأخذ على سبيل المثال مؤسسة آيديز (IDEES)، وهي مؤسسة اجتماعية فرنسية للاندماج في سوق العمل تعمل في قطاع العمل المؤقت ولديها هيكل تنظيمي مماثل لهيكل شركة أوبن أيه آي. يلتقي رئيس مجلس إدارة مؤسسة آيديز، بيير شو، باستمرار مع أعضاء مجلس الإدارة كل على حدة بين اجتماعات المجلس، ليس لمناقشة المسائل العاجلة فحسب، بل أيضاً لمناقشة آخر المستجدات حول كل من الأداء الاجتماعي والتجاري للمؤسسة. ويعد تعزيز كل من الثقة المتبادلة والعلاقات الشخصية أمراً أساسياً للتغلب على التوترات أو سوء الفهم بين أعضاء مجلس الإدارة. ساعد شو على سد فجوة الانقسام بين أعضاء مجلس الإدارة المتنوعين من خلال أداء دور “الوسيط” بين الأعضاء ذوي الأهداف المختلفة، موضحاً وجهات نظر كل مجموعة إلى المجموعة الأخرى ومدافعاً عن وجهات نظرها. كما سمحت جلسات العشاء الجماعية المنتظمة بعد اجتماعات مجلس الإدارة لأعضاء المجلس ببناء علاقات خارج قاعة مجلس الإدارة الرسمية. يستطيع قادة مجالس الإدارة من خلال مساعدة أعضائها على التواصل بعضهم مع بعض والارتباط بأهداف المؤسسة والتعامل البنّاء مع التوترات ومنع النزاعات.

ثانياً، يجب على قادة مجالس الإدارة الهجينة الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة بين مجلس الإدارة والقيادة العليا للمؤسسة، وبهدف الحفاظ على التوافق بينها، يقدم قادة مجلس الإدارة الناجحون وجهات نظر الإدارة العليا في عمليات صناعة القرارات الاستراتيجية في مجلس الإدارة ويتعاونون مع الإدارة العليا لضمان فهم تلك القرارات وتنفيذها. في مؤسسة آيديز، يدعو شو الإدارة العليا بانتظام لعرض المشاريع الاستراتيجية خلال اجتماعات مجلس الإدارة ويجتمع دورياً مع الفريق التنفيذي لمناقشة محاضر اجتماعات مجلس الإدارة. وفي مؤسسة أديكو إنسيرشن (Adecco Insertion)، وهي مؤسسة اجتماعية أخرى للعمل المؤقت، يحضر أعضاء مجلس الإدارة وكبار القادة بانتظام فعاليات خاصة للاحتفال بنجاحات المؤسسة، ما يعزز الروابط العاطفية والثقة بين المجموعتين. ويدعم هذا التواصل المستمر التفاهم المتبادل بين مجلس الإدارة وبقية موظفي المؤسسة ويساعد على إشراك الأطراف جميعها في المؤسسة في السعي لتحقيق الرسالة الهجينة.

آفاق المؤسسات الهجينة

يُعد التعامل مع التباين بين الأهداف الاجتماعية والبيئية والتجارية أحد التحديات التي يواجهها قادة الشركات في مختلف القطاعات والصناعات. في عصر يطالب فيه المستهلكون وواضعو السياسات على حد سواء الشركات بزيادة تحمل مسؤولية كل من التأثير الاجتماعي والبيئي، تقدم المؤسسات الهجينة بديلاً واعداً للوضع الراهن من خلال إعادة الناس والكوكب إلى مركز اهتمام نظامنا الاقتصادي مع الحفاظ على الربحية.

تُعد الحوكمة الفعالة لمجالس الإدارة المعززة بالمبادئ التوجيهية التي حددناها ضرورية للشركات لكي تحافظ على سعيها لتحقيق أهدافها المتعددة. حان الوقت كي لا ننظر إلى نماذج المؤسسات الهجينة على أنها استثناءات لا يمكن تحقيقها إلا في مجالات محددة، بل مصادر للإلهام ونماذج ممكّنة لتحويل الشركات. وهي ضرورية لتجنب العواقب الكارثية على البشرية من الخلط بين السعي الجشع وراء الربح والتقدم عندما يتعلق الأمر بمستقبل الذكاء الاصطناعي وأي قطاع آخر من قطاعات اقتصادنا. حذّرنا الكاتب الفرنسي رابليه منذ زمن بعيد قائلاً: “العلم بغير ضمير ليس إلا هلاكاً للروح”. الأسواق وحدها ليس لديها ضمير، ولكننا نحن البشر لدينا ضمير. والأمر متروك لنا لنقرر طريقة تنظيم أنفسنا لضمان تعزيز التكنولوجيا والمنتجات والخدمات الجديدة لحياة الجميع لتصبح أفضل والحفاظ على كوكبنا.