استخدام التفكير التصميمي لاستئصال أسباب الفقر

كان هناك الكثير من المبالغة في الدعاية خلال السنوات الأخيرة بشأن قوة التفكير التصميمي في حل المشكلات الاجتماعية كشمكلة الفقر والتعليم وغيرها. وشرعت شركات مثل «آي دي إي أو» (IDEO) و«فروغ» (frog) و«سمارت ديزاين» (Smart Design) – فضلاً عن العديد من المؤسسات وكليات التصميم والمنظمات غير الربحية – في معالجة القضايا الشائكة من خلال الابتكارات التي تستخدم العلوم الاجتماعية والمعرفية، والتركيز على التحليل المنهجي، والانتباه إلى الأنماط الناشئة.

إذ إن هذه المؤسسات من دعاة تطبيق التفكير التصميمي في مجال إحداث الأثر الاجتماعي، وهي تحرز تقدماً جاداً في مجالات مثل تحسين تسجيل الناخبين وبرامج التوعية للأشخاص الذين تقطعت بهم السبل في مخيمات اللاجئين.

ولكن ماذا لو عززنا هذا المستوى من الابتكار الموجّه وطبّقنا مبادئ التصميم على واحدة من أكبر القضايا الاجتماعية في عصرنا، والمتمثلة في الفقر العالمي نفسه؟

إذ تعمل أقوى الحكومات والمؤسسات الدولية في العالم بجد الآن لإقناعنا بأن الفقر العالمي قد انخفض إلى النصف منذ التسعينيات. غير أن عدداً متزايداً من المحللين يشير إلى أن هذا الادعاء ليس إلا خدعة محاسبية: حيث قام مسؤولو الأمم المتحدة بتجميع الأرقام لجعلها تبدو كما لو أن الفقر قد انخفض، بينما هو في الواقع قد ازداد.

ما يعنيه هذا هو أن الجانب الأكبر من مشاريع التنمية ذات النوايا الحسنة التي نُفذت في الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية على مدى الـ 65 عاماً الماضية – بتكلفة مئات المليارات من الدولارات – كان لها أثر إيجابي ضئيل للغاية على الأرقام المتصلة بالفقر (بصافي تأثير سلبي عندما يضاف التدهور البيئي إلى المعادلة).

كيف حدث هذا؟

الجواب هو أن نموذج التنمية المفضل يعاني من عيوب شديدة وهائلة في التصميم.

أول هذه العيوب هو كيفية تعريف القطاع التنموي للمشكلة نفسها. وقد جسّد أينشتاين فحوى هذا التحدي بشكل واضح عندما قال: «إذا كان لديّ 60 دقيقة لحل مشكلة وكانت حياتي تعتمد عليها، كنت سأقضي 55 دقيقة في تحديد السؤال المناسب لطرحه». وفي الوقت الراهن، فإن السؤال الذي تطرحه المنظمات التنموية هو: «كيف يمكننا القضاء على الفقر؟». ومن الناحية الأخرى، سيخبرك التفكير التصميمي المحكم أن تبدأ بالسؤال الأكثر أهمية: «لماذا ينتشر الفقر على نطاق واسع؟».

يقودك السؤال الأول بشكل طبيعي ومنطقي إلى أشياء مثل تحسين الرعاية الصحية والتعليم، وتحويل الأموال في شكل معونات أجنبية وخيرية. وربما تكون جميعها أشياء مقبولة في حد ذاتها، لكن هل صُممت لمعالجة الأعراض أم الأسباب؟ إذا ما بدأت من السؤال «كيف يمكننا القضاء على الفقر؟»، فهذا التمييز ليس مهماً في الحقيقة. جميع أنشطة التدخل التي تتبادر إلى الذهن تعالج الملامح الواضحة للمشكلة كما نراها ماثلة أمامنا اليوم، وبالتالي تبدو مشروعة وكافية.

أما إذا ما طرحت السؤال الأكثر أهمية، فستجد إجابة أكثر أهمية. بادئ ذي بدء، لن تركز استفساراتك المبدئية على وصف كل جانب من جوانب المشكلة التي تراها ماثلة أمامك اليوم، مثل سوء الرعاية الصحية وعدم كفاية المساعدات، بل ستركز بالأحرى على الأسباب والظروف التي نشأ عنها هذا الواقع العام. وبعبارات أخرى، سيوجهك السؤال إلى فهم العمليات التي أحدثت الفقر على مدى القرون القليلة الماضية وتستمر في إحداثه في الوقت الحالي. أنت الآن تنظر إلى أشياء مثل حركة التسييج (Enclosure Movement) والعبودية والاستعمار ونهب الموارد وبرامج الإصلاح الهيكلية والأزمة المالية والتقشف.

وثمة تيار حيوي يسري تحت هذا المنظور، يتمثل في السلطة. في جميع هذه الأمثلة، كانت القرارات البشرية النشطة والمدروسة تلعب دوراً. وكان بعض الأشخاص أقوى من غيرهم، وكانت المجموعات الصغيرة قوية لفترات طويلة. كان هناك تحيز عميق ومنهجي في مواصفات من يتخذ القرارات الأساسية.

العيب الثاني للتصميم في نموذج التنمية الموحد

يتمثل العيب الثاني للتصميم في نموذج التنمية الموحد في التعامي الداخلي عن ديناميكيات السلطة.

نظراً لأن السؤال الذي مفاده “كيف نقضي على الفقر؟” يركز الاهتمام على ما نراه من حولنا اليوم، فهو لا يهتم كثيراً بالقرارات أو الأشخاص الذين استفادوا من نشوئه. وهذا أمر مفيد للغاية من الناحية السياسية، لأنه يعني أنه لا يتعين علينا اختبار أو معاملة أي شخص أو أي شيء على أنه مذنب، في الماضي أو الحاضر. وهذا يعني أن الثروة التي اكتسبها الكثيرون من خلال العمليات التي أدت إلى انتشار الفقر على نطاق واسع ليست لها علاقة بالأمر. وهذا يعني أنه يمكننا دون عناء أن نُرشد المؤسسات الحديثة التي لطالما تطلّب منطقها التشغيلي الإفقار – متضمنةً الأحزاب السياسية وأيديولوجياتها، والشركات، وفي الواقع قطاعات كاملة – صوب مواقع عالية من السلطة السياسية، ثم أن نصدّق ونثق فيما تفعله من هذا الموقع. كل هذا يخلق مساحة كافية أكثر مما يلزم لفرضية معيبة للغاية لكي تسود، تتمثل في أننا على الأرجح سنحل مشكلاتنا باستخدام المنطق الذي أوجدها في المقام الأول. ونعود إلى أينشتاين المزعج سياسياً الآن وإلى مسلّماته المحبوبة للغاية، إذ يقول: «لا يمكننا حل مشكلاتنا بالتفكير ذاته الذي استخدمناه عندما خلقناها».

وبُغية فهم كيف يتجلى هذا المنطق ذو النتائج العكسية وينجح في المرور دون اعتراض إلى حد كبير، يتعين علينا النظر إلى عيب تصميمي ثالث في نموذج التنمية السائد، وهو عيب له علاقة باللغة. إذ يعرف جميع المصممين الأكفاء أن التعابير المجازية مهمة. حيث إنها تحرّك أطراً عميقة توجّه طريقة استجابة المستخدمين. استخدم التعابير المجازية الخاطئة، ولن يُفلح التصميم؛ الأمر بهذه البساطة.

وقد درسنا اللغة التي يستخدمها العاملون في مجال التنمية على موقع «تويتر» لوصف الفقر، ووجدنا أن تعابيرهم المجازية متخبطة في أحسن الأحوال. ويتحدث البعض عن الفقر باعتباره مرضاً يتطلب استئصاله، والبعض يصفه بأنه عدو يجب محاربته وتدميره، والبعض الآخر يعُدّه سجناً يُحبس فيه الأشخاص. ويمكننا أن نرى منطقاً مختلفاً للغاية يلعب دوره في هذه التعابير المجازية الثلاثة فقط. هل “نحل” مشكلة الفقر بالبحث عن علاج لتلقيح الأشخاص وكأن الأمر ضد جرثومة أو فيروس؟ وهل يحتاج الفقراء إلى جيش يقاتل من أجلهم في المكان والزمان الحاليين، أم إلى مخلِّص ليفتح لهم أبواب سجنهم؟

تثير كل من هذه التعابير المجازية الشائعة فكرة أن الفقر أمر طبيعي أو لا مفر منه. بل يمكنها حتى أن تنطوي على حكم أخلاقي على الفقراء. وبالتالي، فإن المنطق الكامن وراء هذه التعابير المجازية يعفينا من الاهتمام كثيراً بالأسباب الجذرية. وبعبارات أخرى، فإن اللغة الأساسية التي نستخدمها للتحدث عن الفقر هي حاجز معرفي يحول دون فهم المشكلة بطريقة تتطلبها جميع طرق التفكير التصميمي المحكم؛ أي فهمها على مستوى أسبابها.

تظهر كل هذه العيوب في أحدث خطة كبرى لقطاع التنمية – أهداف التنمية المستدامة – والتي تعِد بأمر عظيم لا يقاوم، يتمثل في القضاء التام على الفقر في موعد لا يتجاوز عام 2030.

ومن المؤسف أن التصميم الأساسي لأهداف التنمية المستدامة – على غرار قطاع التنمية المستمدة منه – مختل على نحو لا يتيح تحويل هذا الطموح إلى حقيقة واقعة. على سبيل المثال، تعتمد الأهداف كلياً على الحل القديم ذي البعد الواحد للفقر، والذي فشل على مدى الـ 65 عاماً الماضية، والمتمثل في نمو الناتج المحلي الإجمالي. إذ تَحملنا أهداف التنمية المستدامة على الاعتقاد بأنه يمكننا القضاء على الفقر بحلول عام 2030 عبر هذا النوع من النمو غير المتمايز القائم على الاستهلاك الذي يقيسه الناتج المحلي الإجمالي. وهذا مُنافٍ للعقل لسببين: أساسيات الاقتصاد وتصميم النظام.

إذ أظهر عالم الاقتصاد ديفيد وودوارد أنه حتى لو افترضنا أسرع معدل نمو في العالم النامي شهدناه في نصف القرن الماضي، فسيستغرق الأمر حوالي 207 أعوام لكل شخص يعيش حالياً على أقل من 5 دولارات في اليوم للارتقاء أعلى هذا الخط، المتمثل في الحد الأدنى الضروري لتحقيق متوسط العمر العادي للإنسان. يخفي الناتج المحلي الإجمالي حقيقة أنه، في نظامنا الحالي، يتراكم 93 سنتاً من كل دولار واحد نكسبه في خزائن أعلى نسبة 1 في المائة من الأفراد. ويستغرق النزول إلى أسفل على منحدر بهذا الانحراف وقتاً طويلاً حقاً! وفي هذه الحالة، فإنه يتطلب 14 ضعفاً ما دامت هداف التنمية المستدامة مبشرة في ادعائها بالقضاء على الفقر على مستوى العالم بحلول عام 2030.

ومن ثم هناك تصميم النظام. حيث إن نمو الناتج المحلي الإجمالي بالقدر المطلوب لتدفق الثروة إلى أسفل بما يكفي للقضاء على الفقر يعني مضاعفة حجم الاقتصاد العالمي بمقدار 175 مرة. الأمر يستحق التوقف للتفكير فيه. يعني القضاء على الفقر باستخدام خطة مصممة على أساس نمو الناتج المحلي الإجمالي استخراج وإنتاج واستهلاك سلع أكثر بـ 175 مرة مما نفعله حالياً. ومن المؤكد أن ذلك سيتسبب في كارثة مناخية بقدر يكفي لجعل كوكبنا غير صالح للسكن.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن تأسيس نظام غذائي عالمي يكفي الجميع؟

إذاً، ما الخيار البديل؟

إنه التفكير التصميمي، الذي – إذا ما طُبّق – سيغيّر مجرى أولويات أهداف التنمية المستدامة بالكامل.

قد يتطلب النهج الذي يعتمد على تصميم النظام بالكامل أن نركز اهتمامنا الأكبر على نظامنا الاقتصادي والأسباب الجذرية للمشكلات، بدلاً من التركيز على القضايا كل على حدة (مثل الرعاية الصحية والتعليم) والأعراض التي تظهر في الحال. ومن الناحية العملية، سيضع هذا النهج مسألة الكيفية التي نفهم بها (وبالتالي نقيس بها) التقدم في أعلى قائمة الأولويات، بدلاً من التهرب منها وتركها كمشكلة للجيل القادم، إذ إن المفهوم القديم البالي لنمو الناتج المحلي الإجمالي سيأخذ مكانه في مقبرة المفاهيم السياسية إلى جانب الفصل العنصري والإمبراطورية الرسمية. وسيتطلب منا هذا النهج دراسة الأنماط التاريخية لكلا وجهَي العملة الاقتصادية المتمثلين في الثروة والفقر، ومعالجتها حتى نتمكن من التصدي للعوامل التي تخلق الفقر.

هذه ليست أشياء يسهل تحقيقها، وهو ما يمثل أحد الأسباب التي تجعلنا نادراً ما نحاول القيام بها. إذ إنها تتطلب مواجهة السلطة المستحكمة والأنظمة التي تدعم استمرارها. لكن يجب علينا مواجهتها في المراحل الكبرى للتنمية على الصعيد العالمي إذا أردنا احترام ليس الإنسانية ونظام الأرض الذي تطورنا فيه فحسب، بل أيضاً احترام أفضل معارفنا.

إن النقطة التي يمكن أن تشكل منطلقاً لنا – والتي يمكننا جميعاً التأسيس عليها من اليوم فصاعداً – هي استخدام أصواتنا وكلماتنا وإبداعنا ومهاراتنا وتعاطفنا للمطالبة بأن يغيّر قطاع التنمية الدولية فرضيته الأساسية (والوعد الذي يقطعه)، من القضاء على الفقر إلى القضاء على أسباب الفقر.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى