الابتكار المؤثر: مواجهة انعدام المساواة في المجال الصحي

ظهر مصطلحان في اللغة عام 2009 بين الأكاديميين ورواد الأعمال المهتمين بالابتكار والأسواق الناشئة، وهما «الابتكار العكسي»؛ الذي يشير إلى المنتجات الموجهة أساساً إلى البلدان منخفضة الدخل لكنها تنتشر في البلدان الغنية، و«الابتكار المُقتصِد»؛ الذي يشير إلى الحد من تعقيد وكلفة التكنولوجيا أو نماذج تقديم الخدمات لبيعها للمستهلكين الذين تم إغفالهم. منذ ذلك الحين، عمل المهنيون في القطاع الصحي؛ والذين يبحثون عن طرق للنهوض بالصالح العام على الرغم من الآليات المدفوعة بقوى السوق أو التي تركز على المستهلكين، على تطبيق كِلا المفهومين على أعمالهم.

بالانتقال سريعاً إلى ما بعد ست سنوات، لاحظنا وجود العديد من الأمثلة على الابتكارات المُقتصِدة الناجحة للغاية في تقديم الخدمات الصحية وأنظمتها، ومنها «نظام أرافيند للعناية بالعيون» (Aravind Eye Care System) ونظام «هيلث ليدز» (Health Leads)، لكنّ العدد الإجمالي للابتكارات العكسية الناجحة للأجهزة الطبية يُعدّ محدوداً جداً. وثّق البروفيسور فيجاي غوفينداراجان من «كلية دارتموث» 25 ابتكاراً عكسياً مكتملاً منذ عام 2009، إلا أنّ اثنين منها فقط هي أجهزة طبية، وهما جهازان محمولان للموجات فوق الصوتية والتخطيط الكهربائي للقلب أنتجتهما شركة «جنرال إلكتريك للرعاية الصحية»؛ وهي شركة متعددة الجنسيات تضم عدداً كبيراً من الموظفين وتعمل برأس مال ضخم.

قد يعود سبب النجاح المحدود للابتكار العكسي للأجهزة الطبية إلى أنه مفهوم يُعدّ حديثاً نوعاً ما، أو لأنّ هذه الأجهزة تواجه عوائق معينة لدخول السوق وتوسيع نطاقه. على سبيل المثال، يجب أن تحصل الأجهزة الطبية في الولايات المتحدة على موافقة «إدارة الغذاء والدواء»؛ وهي عملية يمكن أن تكون مكلفة وتستغرق وقتاً طويلاً، إلا أنّ المتطلبات التنظيمية لدخول أسواق  البلدان منخفضة الدخل تعتبر أبسط بكثير.

في مقابلتنا مع البروفيسور غوفينداراجان، أوضح أنه منذ نشر كتابه عام 2009، تطورت أفكاره حول الابتكار العكسي لتشمل الابتكارات التي لا تنتقل فقط من البلدان منخفضة الدخل إلى البلدان ذات الدخل المرتفع؛ من الهند إلى الولايات المتحدة مثلاً، ولكن أيضاً التي تنتقل بين البلدان منخفضة الدخل؛ أي من الهند إلى بنغلاديش، وبالتالي، شمل تعريفه للابتكار العكسي العديد من الأجهزة الطبية.

إلا أنّ التركيز في هذا المجال لا يزال متمحوراً إلى حد كبير حول نقل التكنولوجيا؛ أي كيف يمكن لجهاز طُرح في سوق معين أن يُباع بأفضل الأسعار أو يوسع الحصة السوقية في سوق جديد، بدلاً من التفكير في كيفية مساهمة هذه الأجهزة في تحقيق أثر اجتماعي أشمل ومساواة في المجال الصحي. من أجل إحداث أثر، يجب على المنظمات الصحية إمعان التفكير في إمكانية خدمة المرضى ذوي الدخل المنخفض وكيفية الوصول إليهم.

في شركة «دي-ريف» (D-Rev) غير الربحية، نصمم التكنولوجيا الطبية ونقدمها للفئات السكانية التي لا تتلقى خدمات كافية، وقد شهدنا عن كثب كيف يمكن للابتكار العكسي للمنتجات الطبية أن يكون مُجدي للأعمال، ولكن ليس بالضرورة أن يكون وسيلة للقضاء على انعدام المساواة على الصعيد الصحي. يختلف كل مريض عن الآخر؛ وهو ما ينطبق أيضاً على الثقافات، ومن الصعب؛ أو المستحيل، دخول الأسواق بالمنتج ذاته أو بمنتج مشابه، والمحافظة على الخدمة الجيدة للمرضى. لذلك، اتخذنا نهجاً نسميه «الابتكار المؤثر»؛ وهو العملية التي يجري من خلالها تصميم المنتجات والخدمات وتقديمها خصيصاً لسد فجوات انعدام المساواة الاجتماعية ضمن أوساط الفقراء في العالم. قبل مواءمة حل من سياق إلى آخر؛ حيث يوجد سوق وحاجة، نحدد إذا ما كان المنتج سيحقق الهدف المنشود، وإذا لم يتحقق هذا الشرط، أو إذا كانت الصعوبات لا يمكن التغلب عليها، فإننا نتوقف. بعد تصميمنا لجهاز «ريموشن ني» (ReMotion Knee)؛ وهو عبارة عن ركبة اصطناعية بقيمة 80 دولاراً تعمل تماماً كتلك التي تبلغ قيمتها 350 دولاراً، وجهاز «بريليانس» (Brilliance)؛ وهو جهاز يعتمد على العلاج الضوئي تبلغ قيمته 500 دولار ويعمل بذات كفاءة الطراز الأميركي الذي تعادل قيمته 3,000 دولار؛ بعد تلك التصاميم، اتخذنا قراراً بالتركيز على أسواق البلدان منخفضة الدخل؛ أي التي يمكن أن نحقق فيها أكبر أثر اجتماعي ممكن. يمكننا بيع هذه المنتجات في الولايات المتحدة على سبيل المثال، ولكن سيتعيّن علينا بيعها بكلفة قد تكون بعيدة عن متناول المرضى الفقراء، ولن يكون للأجهزة بالضرورة الأثر الملموس الذي نسعى إليه.

يُعدّ التفكير الاستراتيجي حول نقل التكنولوجيا المعنية بتحقيق المساواة من خلال هذا النهج، جزءاً من حركة عالمية أكبر في مجال الصحة – وهي حركة حقوق الإنسان – لضمان حصول الجميع على فرصة عيش حياة صحية أكثر، بغض النظر عن الدخل أو العِرق أو الموقع الجغرافي أو النوع الاجتماعي. في مؤسسة «روبرت وود جونسون» (Robert Wood Johnson Foundation)، وضعنا ​​إطار عمل لبناء ثقافة صحية؛ والمتمثل في تحسين الصحة والرفاه للجميع في الولايات المتحدة. نحن ندرك أنّ الأفكار الجيدة لا حدود لها، ونقدّر فرصة التعلم من المجتمعات في جميع أنحاء العالم، ونطبّق هذه الرؤية لإيجاد حلول للتحديات الرئيسية للرعاية الصحية في الولايات المتحدة، ويشمل ذلك فهم كيف يمكن للأجهزة التي تناسب الأشخاص في الخارج أن تساعد على تلبية احتياجات الناس في أميركا.

لا تُعتبر أي من هذه المنهجيّات الهادفة لتحقيق المساواة في المجال الصحي أمراً سهلاً، إذ تتطلب الابتكارات المؤثرة والموجهة لأسواق متعددة بحثاً دقيقاً عن المستخدم ووضع استراتيجية مناسبة، كما نحتاج إلى المزيد من الأدوات لتزويد رواد الأعمال بالمعرفة التقنية والتصميم بالإضافة إلى المعرفة في مجال الأعمال، وهذا ما يحتاجون إليه لمواجهة عقبات تقديم المنتجات والخدمات في الأسواق؛ لا سيما للمرضى الأكثر احتياجاً. مع اكتساب فهم أعمق لما ينجح وأين تكمن العقبات – من منظور التأثير – نأمل أن نرى المزيد من المشاريع الريادية في مجال الابتكار المؤثر.

إحدى الأدوات التي طورناها هي «إمباكت إنوفيشن فريموورك» (Impact Innovation Framework)، والتي تهدف إلى مساعدة المؤسسات على تقييم إذا ما كانت التكنولوجيا المعنية بالصحة يمكنها سدّ فجوات الأسواق الجديدة، وفي الوقت ذاته خدمة المرضى ذوي الدخل المنخفض. ويتحقق هذا من خلال ثلاث خطوات:

  1. فهم نطاق المشكلة، والمشكلة التي يعالجها منتجك، والمستخدمين واحتياجاتهم، والجهات الفاعلة الرئيسية التي ستؤثر على نجاح المنتج. على سبيل المثال، هناك حاجة سنوية غير ملباة لما يقارب من ثلاثة ملايين ركبة اصطناعية؛ معظمها في البلدان منخفضة الدخل، حيث تكون هذه الأجهزة عالية الجودة ولكنها مكلفة للغاية. ينتمي عادة المرضى المستهدفون في هذه المناطق إلى فئة الشباب، في حين أنّ المرضى في الولايات المتحدة من ذوي الدخل المحدود والذين يعانون من المشكلة ذاتها، يكونون غالباً أكبر سناً ويعانون من مشكلات صحية أخرى. يُعدّ الشخص المتخصص بتركيب الأطراف الاصطناعية؛ والذي يقدّم توصيات المنتج للمرضى ويشتري الأجهزة، شخصاً محورياً لنجاح هذه الأجهزة في جميع الأسواق.
  2. تقييم حجم السوق، وتمايز المنتجات فيه، وإمكانية دخوله من ناحية المنافسة ومتطلبات المبيعات والتسويق. فمثلاً، من أجل إجراء عملية ناجحة لتلبية احتياجات الأميركيين من ذوي الدخل المنخفض والذين يعانون من بتر في الأطراف، سنحتاج إلى إعطاء الأولوية للاستقرار الجسدي للمرضى على حساب خفة الحركة. وجدنا أيضاً أنّ الحاجة والسوق أكبر خارج الولايات المتحدة، وأنّ التسويق أقل كلفة ولكنه كثيف الاستخدام للموارد.
  3. تقييم الحد الأدنى من العوامل والمتطلبات التنظيمية لمبيعات المنتجات (مثل كلفة تلبية المتطلبات التنظيمية ونوع تأمين المسؤولية وحماية الملكية الفكرية)، وتوزيع المنتجات في السوق التالي. على سبيل المثال، غالباً ما يكون تأمين مسؤولية المنتج للأسواق في البلدان منخفضة الدخل أقل كلفة بكثير مقارنة بالولايات المتحدة.

يمكن أن تستفيد المنظمات من هذه الخطوات من أجل تحديد أفضل السبل لتحسين حياة الفقراء. وبإمكان رواد المشاريع في المجال الصحي الاستفادة من الموارد الأخرى المتمثلة في أدوات «آيديا تو إمباكت» (Idea to Impact) المقدّمة من «مركز تسريع الابتكار» (Center for Accelerating Innovation) التابع لـ«الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» (USAID)، و«الدليل الشامل للابتكار في المجال الصحي» (Global Health Innovation Guidebook) المقدّم من «جامعة ستانفورد». عند إجرائنا لتقييمات السوق الأميركي، تلقّت شركة «دي-ريف» أيضاً دعماً من خبراء الصحة المحليين المقدّم مجاناً، وذلك بفضل شركاء مجتمع «كلية هارفارد للأعمال».

إذا كنا جادين في تحقيق المساواة في المجال الصحي، فنحن بحاجة إلى تجاوز الابتكار العكسي والمُقتصِد، والبدء في إيلاء الاهتمام للابتكار المؤثر والسعي نحو تحقيق الأثر. يمكننا تصميم وتقديم الأجهزة الطبية التي تخدم أسواقاً متعددة، لكننا بحاجة إلى التأكيد على أهمية المحافظة على جودتها العالية وتوفيرها بكلفة ميسورة للمرضى ذوي الدخل المنخفض والبرامج التي تخدمهم، وستكون النتيجة خلق مجتمعات أكثر إنتاجية وصحة.

اقرأ أيضاً: الذكاء الاصطناعي وكورونا: ما هي العقبات التي نواجهها في هذت المجال؟

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى